أنتلجنسيا:أبو فراس
في خطوة تنظيمية تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز ظاهرها التقني، أصدر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت قراراً جديداً يقضي بإعادة هيكلة المنصة الرقمية الخاصة باللوائح الانتخابية العامة، www.listeselectorales.ma، في سياق يعكس توجهاً متسارعاً نحو رقمنة العملية الانتخابية، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً واسعاً حول حدود الشفافية والتحكم الإداري في المعطيات الحساسة.
القرار الجديد يمنح الموقع دوراً مركزياً في تدبير طلبات التسجيل ونقل القيد داخل اللوائح الانتخابية، وفق شروط وآجال محددة تمتد من فاتح أبريل إلى نهاية دجنبر من كل سنة، مع فترات إضافية مرتبطة بعمليات المراجعة السنوية أو الاستحقاقات الانتخابية.
كما يتيح للناخبين الاطلاع الفردي على بياناتهم الشخصية، وإمكانية تحيينها بإضافة معلومات مثل البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، في خطوة تبدو في ظاهرها تبسيطاً للإجراءات، لكنها في العمق تعكس توسيعاً لنطاق جمع المعطيات الشخصية داخل نظام معلوماتي تشرف عليه وزارة الداخلية.
التحول الرقمي الذي يقدمه القرار كآلية لتحديث الإدارة الانتخابية، يثير تساؤلات حول طبيعة الإشراف الفعلي على هذا النظام، خاصة وأن معالجة الطلبات لا تزال تمر عبر قنوات إدارية تقليدية، حيث تتولى مصالح العمالات والأقاليم طباعة الطلبات وإحالتها على السلطات المحلية لإجراء أبحاث ميدانية قبل عرضها على اللجان الإدارية، ما يكشف استمرار ثقل البيروقراطية في قلب منظومة يُفترض أنها رقمية.
ومن بين أبرز ما جاء به القرار، اعتماد آلية إشعار المواطنين غير المقيدين في اللوائح الانتخابية، خصوصاً الحاصلين حديثاً على البطاقة الوطنية، عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف، لدعوتهم إلى التسجيل، وهو إجراء يحمل بعداً تحفيزياً من جهة، لكنه يطرح من جهة أخرى إشكالية توظيف المعطيات الشخصية في توجيه السلوك الانتخابي بشكل غير مباشر.
كما ينص القرار على نشر نتائج مداولات اللجان الإدارية عبر الموقع، بما في ذلك الطلبات المقبولة والمرفوضة وأسبابها، إضافة إلى عمليات التشطيب والشكاوى، وهو ما يُقدَّم كتعزيز للشفافية، غير أن حصر الاطلاع في المعطيات الفردية فقط، ومنع الوصول إلى بيانات الآخرين تحت طائلة المتابعة القانونية، يعكس توازناً دقيقاً بين الحق في المعلومة وحماية المعطيات، لكنه قد يُستخدم أيضاً لتقييد الرقابة المجتمعية الواسعة على نزاهة العملية برمتها.
وفي مرحلة ما بعد الحسم، يتيح الموقع للناخبين التأكد من تسجيلهم ومعرفة مكاتب تصويتهم عبر إدخال معطياتهم الشخصية، مع إمكانية إشعارهم عبر رسائل إلكترونية أو نصية، في تكريس لدور التكنولوجيا في توجيه المسار الانتخابي من التسجيل إلى التصويت.
غير أن القراءة السياسية لهذا القرار، تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بتحديث تقني، بل بإعادة تموقع وزارة الداخلية في قلب العملية الانتخابية عبر أدوات رقمية أكثر دقة وتأثيراً، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه الرقمنة ستعزز فعلاً ثقة المواطنين في الانتخابات، أم أنها ستكرس شكلاً جديداً من التحكم الناعم في مفاصل العملية الديمقراطية تحت غطاء التحديث والنجاعة الإدارية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك