أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
تشير أحدث الدراسات والاستطلاعات إلى
أن الثقة بين الشباب المغربي في المؤسسات السياسية، بما في ذلك البرلمان والحكومة
والأحزاب السياسية، تعاني من تراجع ملحوظ، وهو ما يثير قلقا كبيرا لدى الخبراء
والمحللين حول مستقبل المشاركة السياسية في البلاد. هذه الظاهرة ليست مجرد انعكاس
لمستوى رضا الشباب عن الأداء الحكومي فحسب، بل تتداخل مع عوامل اجتماعية واقتصادية
عميقة تتعلق بفرص العمل، التعليم، القدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية.
تظهر نتائج الاستطلاع أن الغالبية
العظمى من الشباب المغربي يرون أن قرارات الدولة غالبا ما تخدم مصالح النخبة
السياسية والاقتصادية على حساب المواطنين العاديين، وهو ما يولد شعورا بالاستبعاد
والإحباط. هذا الإحباط يتجلى في عزوف واضح عن المشاركة في الانتخابات، سواء
التشريعية أو الجماعية، ويؤدي إلى ضعف التمثيل الحقيقي للشباب في المؤسسات
الرسمية، ما يفاقم شعورهم بالاغتراب السياسي والاجتماعي.
من الناحية الاقتصادية، يؤكد الشباب
أن محدودية فرص العمل وضعف الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة المرتفعة تلعب دورا
محوريا في شعورهم بالإحباط، إذ يرون أن السياسات الحكومية لا توفر بيئة اقتصادية
عادلة ومستقرة تمكنهم من بناء مستقبلهم، وهذا بدوره يعكس على الثقة في المؤسسات
التي يفترض أن توفر الحماية الاجتماعية والفرص الاقتصادية.
كما يبرز البحث أن التعليم والتكوين
المهني ليسا بالقدر الكافي لتلبية حاجيات السوق، وهو ما يزيد الفجوة بين التطلعات
الشبابية والواقع المعيشي، ويزيد إحساسهم بأن السياسات الحكومية قصيرة النظر وغير
متصلة بالاحتياجات الحقيقية للأجيال الجديدة. هذه الفجوة تضع مؤسسات الدولة أمام
مسؤولية كبيرة لإعادة بناء الثقة من خلال استراتيجيات شاملة تتضمن إشراك الشباب في
عملية صنع القرار، وتقديم فرص حقيقية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
من الناحية السياسية، يرى الخبراء أن
إشراك الشباب في الأحزاب والمجالس المحلية ومنحهم مساحة للتعبير عن آرائهم في
صياغة القوانين والسياسات من شأنه أن يخفف من حالة الإحباط، ويعيد الثقة إلى
المؤسسات السياسية، كما أن اعتماد سياسات شفافة لمكافحة الفساد وتعزيز المساءلة
يمكن أن يكون عاملا محوريا في استعادة الثقة الشعبية.
على مستوى المجتمع المدني، يلعب
الإعلام والمنظمات غير الحكومية دورا مهما في تعزيز وعي الشباب بحقوقهم وواجباتهم
السياسية، وتشجيعهم على المشاركة الفعالة، وهو ما قد يخلق ضغطا إيجابيا على
المؤسسات الرسمية لتكون أكثر تجاوبا مع مطالبهم وتطلعاتهم.
في المحصلة، فإن انخفاض ثقة الشباب في
المؤسسات السياسية المغربية يشكل تحديا استراتيجيا طويل الأمد، يتطلب تدخلات
متكاملة على المستويين الاقتصادي والسياسي، لضمان مشاركة فعالة، واستقرار ديمقراطي
مستدام، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة. إن معالجة هذه الأزمة تتطلب
رؤية شاملة ترتكز على العدالة الاجتماعية، الفرص الاقتصادية، التعليم الجيد،
والشفافية السياسية، مع إشراك الشباب كفاعل رئيسي في عملية التنمية وصنع القرار،
ليصبحوا جزءا من الحل وليس الضحية.
هذا الملف يظل من أهم التحديات التي
تواجه المغرب في السنوات المقبلة، ويؤكد أن مستقبل المشاركة السياسية مرتبط
ارتباطا وثيقا بمدى قدرة الدولة على الاستجابة لمطالب الشباب وتحقيق طموحاتهم في
بيئة عادلة وشفافة ومستقرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك