أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تعد الطريق إلى صناديق الاقتراع تمر فقط عبر الساحات والخطابات الحماسية، بل أصبحت تُرسم خيوطها في الخفاء داخل غرف رقمية مغلقة، حيث تُطبخ الرسائل السياسية وتُختبر بدقة قبل ضخّها في وعي المغاربة على شكل موجات تبدو عفوية، لكنها في العمق مُهندسة بعناية فائقة لتوجيه المزاج العام بدل عكسه.
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تكشف معطيات متقاطعة من داخل دواليب العمل الحزبي أن موازين الصراع تحولت بشكل جذري، بعدما جرى ضخ ميزانيات غير مسبوقة في مجال التواصل الرقمي، على حساب التأطير الميداني التقليدي. أحزاب سياسية لم تعد تراهن فقط على المرشح وبرنامجه، بل على “مهندسي السمعة” وخبراء التأثير الذين يديرون حملات معقدة من خلف الشاشات، تمتد من الرباط إلى الدار البيضاء وتتغذى أحياناً من شبكات خارجية عابرة للحدود.
داخل هذه المنظومة، لم يعد الهدف إقناع المواطن بقدر ما أصبح خلق انطباع عام بوجود إجماع شعبي، حتى وإن كان مصطنعاً. “مزارع الحسابات” تشتغل بإيقاع متزامن، تُغرق المنصات بالتعليقات والإعجابات وإعادة النشر، ما يمنح أي خطاب زخماً رقمياً هائلاً يصعب على المستخدم العادي التمييز بين حقيقته ووهمه. منصات مثل تيك توك وإنستغرام تحولت إلى ساحات معارك مفتوحة، حيث يمكن لحملة واحدة أن تلتهم ملايين الدراهم في ظرف وجيز، فقط لصناعة “ترند” قد لا يعكس بالضرورة الواقع الانتخابي.
غير أن الأخطر لا يكمن فقط في حجم الأموال أو الأدوات المستعملة، بل في طبيعة الرسائل التي تُمرر بطرق ملتوية، عبر مؤثرين يقدمون محتوى يبدو عادياً أو ترفيهياً، بينما يحمل في طياته إشارات سياسية دقيقة وموجهة لفئات محددة بناءً على معطيات سلوكية ونفسية. هذا النمط من التأثير يضع العملية الانتخابية في منطقة رمادية، حيث يختلط الإشهار بالتعبير الشخصي، وتضيع الحدود بين الرأي الحر والتوجيه المدفوع.
في المقابل، تبدو آليات الرقابة التقليدية عاجزة عن مواكبة هذا التحول المتسارع، إذ تصطدم بتعقيدات تقنية وقانونية، خاصة عندما تمر النفقات عبر وسطاء أو منصات دولية يصعب تتبعها. وحتى التقارير الرسمية، رغم أهميتها، تظل محدودة بسبب إدراج هذه المصاريف ضمن بنود عامة لا تكشف تفاصيلها الدقيقة، ما يفتح الباب أمام ضبابية تثير أكثر مما تجيب.
وسط هذا المشهد، يحذر باحثون من أن ما يجري ليس مجرد تحديث لأدوات الدعاية، بل إعادة تشكيل عميقة للفضاء العمومي، حيث يمكن لـ“إجماع وهمي” أن يدفع الناخبين المترددين نحو خيارات لم يكونوا ليتبنوها في ظروف طبيعية، خاصة في ظل ضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة واسعة من المواطنين.
ورغم هذا الزخم الرقمي، لا يزال الواقع الميداني يحتفظ بجزء من قوته، إذ يؤكد فاعلون سياسيون أن “الترند” لا يُترجم دائماً إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع، وأن شبكات القرب والعوامل الاجتماعية والاقتصادية تظل حاسمة، خصوصاً خارج المدن الكبرى.
لكن المؤكد أن المعركة المقبلة لن تكون تقليدية، بل ستُخاض على جبهتين متوازيتين: واحدة في الشارع، وأخرى في الخوارزميات. وبينهما، يقف الناخب المغربي محاصراً بسيل من الرسائل المتدفقة، في زمن لم تعد فيه السياسة مجرد تنافس برامج، بل حرب خفية تُدار بالأرقام والبيانات، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجماعي بصمت، وتُصنع القرارات في الظل قبل أن تُعلن في العلن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك