أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
لم تكن مدينة الصويرة مجرد مسرح لحفلات موسيقية عابرة، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى عاصمة نابضة للإيقاعات الكناوية التي فرضت حضورها بقوة، وجمعت آلاف العشاق والمتابعين من داخل المغرب وخارجه في احتفال ثقافي ضخم أكد مرة أخرى أن فن كناوة لم يعد مجرد موروث محلي، بل أصبح لغة فنية عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
ومع إسدال الستار على الدورة الجديدة من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، انتهت سلسلة من العروض التي مزجت بين أصالة التراث الكناوي وتنوع التجارب الموسيقية القادمة من مختلف القارات، في مشهد جسد قدرة هذا الفن المغربي العريق على التجدد والاستمرار دون التفريط في جذوره التاريخية والروحية.
وشهد اليوم الختامي للمهرجان زخماً جماهيرياً كبيراً، حيث تواصلت السهرات والعروض التي مزجت بين مدارس موسيقية متعددة، وسط أجواء احتفالية استثنائية جعلت من الصويرة نقطة التقاء لفنانين وموسيقيين حملوا معهم أنماطاً مختلفة من التعبير الفني، قبل أن تنصهر جميعها في تجربة موسيقية واحدة عنوانها الحوار والانفتاح.
وفي قلب هذه الدينامية، برز المعلم حميد القصري كأحد أبرز الأسماء التي استقطبت اهتمام الجمهور، مستنداً إلى مسار طويل جعله من الوجوه الأكثر تأثيراً داخل الساحة الكناوية. وأوضح أن التحضير للمشاركة في هذه الدورة تم في فترة زمنية قصيرة، معرباً عن أمله في أن تكون العروض المقدمة في مستوى انتظارات الجمهور الذي يواكب المهرجان بشغف متزايد سنة بعد أخرى.
وكشف القصري أن الدورة الحالية عرفت تقديم جزء من قطعة موسيقية تنتمي إلى التراث الكناوي القديم، على أن يتم الكشف عنها كاملة خلال السنة المقبلة، في خطوة تعكس الرغبة في إعادة إحياء كنوز فنية ظلت حاضرة في الذاكرة الكناوية عبر الأجيال.
وأكد المعلم الكناوي أن المهرجان يواصل توسيع إشعاعه عاماً بعد عام، معتبراً أن أجواءه تظل مختلفة عن باقي التظاهرات الفنية بالمغرب، لما تحمله من رمزية خاصة لدى معلمي كناوة الذين يرون فيه امتداداً للمواسم واللقاءات التقليدية التي شكلت جزءاً من تكوينهم الفني والروحي منذ الطفولة.
وفي حديثه عن مستقبل هذا الفن، شدد القصري على أن التمكن الحقيقي من أسرار كناوة لا يتحقق بالمظاهر الخارجية أو بحمل آلة الهجهوج فقط، بل يحتاج إلى سنوات من التكوين والتدرج والتعلم المباشر على أيدي المعلمين، إضافة إلى حضور الليالي والطقوس المرتبطة بهذا التراث واكتساب معارفه العميقة والمتراكمة.
كما عبر عن فخره بظهور جيل جديد من الشباب الموهوبين الذين اختاروا السير في هذا الطريق الفني، مؤكداً أن استمرار كناوة رهين بقدرة هؤلاء على حمل المشعل والمحافظة على روح هذا الموروث الأصيل الذي صمد لعقود طويلة أمام التحولات الثقافية المتسارعة.
ويبدو أن الرسالة التي حملتها هذه الدورة كانت واضحة: كناوة ليست مجرد موسيقى للفرجة أو مناسبة موسمية للاحتفال، بل ذاكرة جماعية حية، وهوية ثقافية متجددة، وتراث مغربي يواصل فرض حضوره على الساحة الدولية بثقة متزايدة، مستنداً إلى قوة التوارث بين الأجيال وإلى شغف فنانين يرفضون أن تذوب أصالة هذا الفن في زحمة العولمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك