أنتلجنسيا:أبو فراس
رفعت "الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة"، سقف المواجهة مع التوجهات المقترحة لتغيير قواعد تنظيم قطاع الأدوية، عبر مذكرة استعجالية وُجهت إلى رئيس الحكومة ووزير الصحة والحماية الاجتماعية، دعت فيها صراحة إلى التراجع عن توصيات مجلس المنافسة المتعلقة بتحرير السوق وفتح رأسمال الصيدليات، معتبرة أن تلك التوصيات تمسّ الأمن الدوائي والسيادة الصحية وتُضعف دور الصيدلي كفاعل أساسي في المنظومة.
الموقف الذي عبّرت عنه الشبكة جاء في سياق جدل متصاعد حول توصيات صادرة عن مجلس المنافسة، والتي تدعو – بحسب منتقديها – إلى إعادة النظر في آليات تنظيم أسعار الأدوية وهياكل السوق. غير أن الهيئات الحقوقية ترى أن الاتجاه نحو تحرير تجاري شامل أو تقليص الضوابط التنظيمية قد يفتح الباب أمام هيمنة مصالح مالية على حساب الحق في العلاج والولوج العادل إلى الدواء.
المذكرة طالبت بسحب فوري لأي مقترح يفضي إلى خصخصة رأسمال الصيدليات أو تحرير الأسعار بشكل قد يضر بالقدرة على الوصول إلى العلاج، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لمراجعة أسعار الأدوية من خلال إصلاح عميق لمرسوم 2.13.852 الصادر سنة 2013، الذي يحدد أسعار الأدوية الأصيلة والجنيسة المنتجة محلياً أو المستوردة، مع فرض شفافية صارمة على هوامش الربح وضبطها بما يحقق تخفيضاً حقيقياً لا مجرد إعادة توزيع للأعباء على الأسر.
في المقابل، دعت الشبكة إلى تعزيز أنظمة التعويض وتوسيع مبدأ «الثالث المؤدي» (Tiers-payant)، وتوسيع قائمة الأدوية القابلة للاسترداد، مع إزالة الشروط التي اعتبرتها تعجيزية في مساطر التعويض، مثل احتساب التعويض على أساس نسبة 70 في المائة من الدواء الجنيس دون اعتبار للسعر الفعلي عند الاقتناء. كما طالبت بمراجعة التعرفة الوطنية المرجعية وفرض احترامها على القطاعين العام والخاص لضمان عدالة أكبر في الفوترة.
وتضع المذكرة أيضاً على المحك دور الوكالة الوطنية للدواء والمنتجات الصحية، داعية إلى تحويلها إلى جهاز رقابي فعّال يضبط السوق عبر مكافحة الاحتكار، ومراقبة الأسعار، وضبط هوامش الربح، وضمان جودة الأدوية وتوافرها، إضافة إلى تتبع المخزون الحيوي لمنع الانقطاعات التي قد تهدد استمرارية العلاج.
وفي ما يتعلق بالصناعة المحلية، شددت الشبكة على ضرورة دعم الإنتاج الوطني وتعزيز حضور الدواء الجنيس، الذي لا تتجاوز نسبته حالياً حدود 37 في المائة، معتبرة أن السيادة الدوائية تمر عبر تشجيع التصنيع المحلي وتقديم حوافز صناعية وتشريعات تعزز التنافسية، إلى جانب دعم البحث العلمي المرتبط بالتطوير الدوائي.
كما ركزت على حماية مهنة الصيدلة عبر سياسات تحمي الصيدليات الصغيرة، خاصة في المناطق القروية والحضرية الهشة، من الإفلاس أو الإقصاء نتيجة منافسة غير متكافئة، مع تخفيف العبء الضريبي عنها وضمان عدالة مجالية في توزيع الخدمات الدوائية. وترى الشبكة أن صيدليات القرب تشكل شبكة أمان صحية، وأن إضعافها يعني خلق فراغ خدماتي يطال الفئات الأكثر هشاشة.
في سياق متصل، حذرت المذكرة من خطورة فتح المجال لبيع الأدوية خارج الإطار القانوني، سواء عبر المنصات الرقمية أو المساحات التجارية الكبرى، معتبرة أن ذلك سيقوض الرقابة المهنية ويعزز ظاهرة التطبيب الذاتي العشوائي، بما يحمله من مخاطر التفاعلات الدوائية الخطيرة، والأخطاء الجرعية، والتسمم الدوائي، إضافة إلى تعقيدات مرتبطة ببعض الأدوية الحساسة التي قد تفضي إلى مضاعفات صحية جسيمة.
وترى الشبكة أن توصيات مجلس المنافسة تتجاهل الأسباب الحقيقية لارتفاع أسعار الأدوية، والتي قد تصل – بحسب تقديراتها – إلى نسب تفوق 600 في المائة مقارنة ببلدان المنشأ، إذ تُرجع الغلاء إلى احتكار الاستيراد والتصنيع بدل تحميل المسؤولية لهوامش ربح الصيدلي فقط. من وجهة نظرها، تحرير الأسعار دون معالجة جذور الاختلال سيؤدي إلى توسيع الفوارق الطبقية في الولوج إلى العلاج، وزيادة العبء المالي على الأسر، وتراجع مبدأ الدولة الاجتماعية.
تحليلياً، يكشف هذا السجال عن صراع أوسع بين مقاربتين: مقاربة تعتبر المنافسة وتحرير السوق مدخلاً لخفض الأسعار عبر آليات العرض والطلب، وأخرى ترى أن قطاع الدواء ليس سلعة تجارية عادية بل خدمة عمومية تتطلب تنظيماً صارماً يحمي المصلحة العامة. وبين المنطقين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول كيفية تحقيق توازن يضمن التنافسية دون المساس بالأمن الصحي.
وفي ظل تحذيرات من احتمال إفلاس صيدليات مستقلة، وظهور ما وصفته الشبكة بـ«صحاري دوائية» في المناطق النائية والأحياء الهشة، يصبح النقاش حول مستقبل تنظيم القطاع أكثر من مجرد تعديل تقني، بل معركة تحديد طبيعة النموذج الصحي الذي يريده المغرب: نموذج قائم على الضبط العمومي وحماية الولوج، أم نموذج يفتح الباب أمام توسع رأسمال مالي في سوق حساسة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك