بقلم:ياسر اروين(إسبانيا)
لم تعد الانتخابات الإسبانية المبكرة، المقررة في 29 نونبر المقبل مجرد استحقاق داخلي فرضته أزمة الأغلبية البرلمانية وتعثر حكومة بيدرو سانشيز، بل تحولت، بحكم موقع إسبانيا وعلاقاتها المتشابكة مع المغرب، إلى محطة سياسية ستكون لها انعكاسات مباشرة على واحد من أكثر الملفات حساسية في غرب المتوسط.
فحين يقرر سانشيز حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة بعد تعثر حكومته في تمرير مشاريع أساسية، تدخل العلاقات المغربية الإسبانية بدورها مرحلة انتظار، لأن هوية الحكومة المقبلة ستحدد إلى حد كبير طبيعة المقاربة التي ستعتمدها مدريد تجاه الرباط في قضايا الهجرة والأمن والاقتصاد والصحراء والعلاقات الأوروبية، وكذلك تجاه سبتة ومليلية.
وتكشف هذه الانتخابات، في جوهرها، عن سؤال أكبر من مجرد اسم رئيس الحكومة المقبل، فهل ستواصل إسبانيا المسار الذي دشّنه سانشيز منذ أزمة 2021، أم ستعيد ترتيب أولوياتها في علاقتها مع المغرب؟
فمنذ إعلان مدريد في 2022، دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء، انتقلت العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة اتسمت بتكثيف التعاون في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، وأصبحت الرباط بالنسبة إلى مدريد شريكاً استراتيجياً لا يمكن التعامل معه بمنطق العلاقة التقليدية بين دولتين متجاورتين فقط.
ويؤكد المسار الاقتصادي، حجم المصالح التي أصبحت تربط البلدين، إذ تعتبر إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، فيما تجاوز حجم المبادلات الثنائية 22.5 مليار يورو سنوياً، كما توجد أكثر من 350 شركة إسبانية في المملكة، وتنخرط شركات إسبانية في مشاريع كبرى مرتبطة بالبنية التحتية والنقل والطاقة والتحول الرقمي والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030.
وبالتالي، فإن أي تحول سياسي في مدريد لن يكون معزولاً عن مصالح اقتصادية وتجارية متراكمة، أصبحت تجعل الاستقرار في العلاقات المغربية الإسبانية مصلحة مشتركة للطرفين.
ويبدو سيناريو فوز سانشيز بولاية جديدة، في حال تمكن الاشتراكيون من تشكيل حكومة بعد انتخابات 29 نونبر، الأقرب من حيث المبدأ إلى استمرار الخط العام الذي تأسست عليه العلاقات الحالية مع الرباط.
فالرجل بنى خلال السنوات الأخيرة، مقاربة تقوم على اعتبار التعاون مع المغرب ضرورياً في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، وهي مقاربة أعاد التأكيد عليها حتى في خضم أزمة سبتة الأخيرة، عندما شدد على ضرورة الحفاظ على علاقة إيجابية وبناءة مع الرباط باعتبارها جزءاً من حماية المصالح الإسبانية.
وسيكون فوز سانشيز، في هذا السيناريو، عاملاً يميل إلى ضمان استمرارية الاتفاقات والتفاهمات التي راكمها البلدان منذ 2022، خصوصاً في المجال الاقتصادي والأمني والهجرة.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة عودة العلاقة إلى مرحلة خالية من الأزمات، لأن ملف سبتة ومليلية أثبت خلال صيف 2026 أن هامش المناورة أمام أي حكومة إسبانية سيظل ضيقاً عندما يتعلق الأمر بأمن الحدود والهجرة والضغط السياسي الداخلي.
وتبرز هنا أزمة سبتة الأخيرة باعتبارها الاختبار الأكثر تعقيداً أمام استمرار سياسة سانشيز تجاه المغرب. فبعد التدفق الجماعي للمهاجرين نحو المدينة في يوليوز، اضطر رئيس الحكومة الإسبانية إلى الإقرار بأن آلية مراقبة الحدود المغربية شهدت خللاً، مع تأكيده في الوقت نفسه عدم وجود أدلة صلبة تثبت أن السلطات المغربية خططت أو نفذت ذلك التدفق.
كما شدد لاحقاً، على ضرورة تعزيز التعاون مع الرباط لمنع تكرار الأزمة.
ويعني ذلك أن فوز الاشتراكيين لن يلغي ملف سبتة ومليلية، وإنما قد يدفع إلى إدارته بالمنطق نفسه الذي اعتمده سانشيز حتى الآن، وهو حماية الحدود الإسبانية، تعزيز التنسيق الأمني مع المغرب، وتفادي تحويل المدينتين إلى عنوان لمواجهة دبلوماسية مفتوحة.
وسيكون هذا الخيار، في المقابل، معرضاً لضغوط داخلية قوية من حكومتي المدينتين ومن المعارضة التي تطالب بموقف أكثر تشدداً تجاه الرباط.
ويزداد تعقيد هذا الملف مع اقتراب زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، وهي زيارة ستكون الأولى لهاتين المدينتين منذ اعتلائه العرش، وتأتي في ظرف شديد الحساسية بعد أزمة الهجرة الأخيرة.
ولذلك سيكون التعامل الإسباني مع هذه الخطوة، مؤشراً مهماً على مستوى الحساسية التي ستطبع العلاقة مع الرباط خلال الأسابيع الأخيرة التي تسبق الانتخابات.
ويطرح السيناريو الثاني، وصول الحزب الشعبي إلى رئاسة الحكومة الإسبانية، وهو احتمال من شأنه أن يفتح مرحلة مختلفة في العلاقة مع المغرب، ليس بالضرورة باتجاه القطيعة، وإنما باتجاه إعادة تعريف عدد من الملفات التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة موضع خلاف داخل الساحة السياسية الإسبانية.
ويحمل الحزب الشعبي خطاباً أكثر تشدداً تجاه سبتة ومليلية، وقد عبّر قياديون فيه خلال الأسابيع الأخيرة عن رفض أي نقاش حول سيادة إسبانيا على المدينتين، مع التأكيد على أنهما، من وجهة نظر الحزب، أراضٍ إسبانية لا تخضع للتفاوض أو تقاسم السيادة.
كما طالب رئيس الحزب ألبرتو نونييث فيخو، الحكومة بكشف ما دار مع الرباط بشأن أزمة سبتة، منتقداً ما يعتبره غموضاً في السياسة الإسبانية تجاه المغرب.
وقد يعني وصول الحزب الشعبي إلى السلطة انتقال ملف سبتة ومليلية إلى صدارة أجندة العلاقة مع الرباط، خصوصاً إذا اختارت الحكومة الجديدة تبني مقاربة أكثر صرامة في موضوع الحدود والهجرة.
ولن يكون مستبعداً، في هذه الحالة، أن ترتفع حدة التصريحات السياسية حول المدينتين، خصوصاً أن الحزب الشعبي يربط حماية الحدود بشكل مباشر بمفهوم السيادة والأمن الوطني.
لكن، تحويل هذا التشدد السياسي إلى مواجهة مباشرة مع المغرب، سيصطدم بحقيقة أخرى لا يمكن لأي حكومة إسبانية تجاهلها، المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية المشتركة.
فإسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي في مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب، فيما تمثل السوق المغربية مجالاً مهماً للشركات الإسبانية، وتربط البلدين مصالح متزايدة في النقل والطاقة والبنية التحتية والاستثمار.
وسيكون لذلك انعكاس مباشر على ملف الهجرة، الذي أصبح واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الإسبانية.
فإذا اختارت حكومة يقودها الحزب الشعبي مقاربة أكثر تشدداً تجاه الرباط، فإن ذلك قد يرفع منسوب الضغط السياسي على المغرب من أجل تشديد مراقبة الحدود وتسريع عمليات إعادة المهاجرين، لكنه قد يرفع في المقابل كلفة أي توتر ثنائي في ملف تعرف مدريد جيداً أنها تحتاج فيه إلى تعاون الرباط.
ويكشف هذا التداخل، أن المغرب لن يكون مجرد ملف في الحملة الانتخابية الإسبانية، بل سيكون جزءاً من النقاش الأوسع حول الأمن والهجرة والسيادة والسياسة الخارجية.
وستحاول الأحزاب الإسبانية، كما يحدث عادة في الملفات ذات الحساسية الداخلية، توظيف العلاقة مع الجار الجنوبي ضمن تصوراتها حول حماية الحدود والدفاع عن المصالح الوطنية.
ويبقى ملف الصحراء المغربية، من أبرز الملفات التي ستختبر مدى قدرة أي حكومة جديدة على تغيير المسار الذي بدأه سانشيز.
فإسبانيا انتقلت في 2022 من موقف تقليدي يقوم على دعم جهود الأمم المتحدة إلى إعلان دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أساساً أكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو التحول الذي ساهم في إعادة بناء العلاقات السياسية مع الرباط بعد أزمة حادة.
ولذلك فإن أي تراجع جذري عن هذا المسار، سيكون مكلفاً سياسياً ودبلوماسياً، ليس فقط على مستوى العلاقات مع المغرب، وإنما أيضاً في سياق العلاقات الأوروبية والإقليمية.
وقد يكون السيناريو الأكثر واقعية، في حال وصول الحزب الشعبي، هو محاولة إعادة صياغة العلاقة وليس نسفها.
فمن الصعب تصور حكومة إسبانية، أياً كان لونها السياسي، تتخلى بسهولة عن شراكة اقتصادية وأمنية بهذا الحجم، لكن من الممكن أن تطالب بمقابل سياسي وأمني أكبر من الرباط، خصوصاً في ملفات الهجرة وحماية الحدود والتعامل مع سبتة ومليلية.
ويكشف الفرق بين السيناريوهين أن الخلاف الحقيقي قد لا يكون حول ضرورة الحفاظ على العلاقة مع المغرب، وإنما حول الطريقة التي ينبغي أن تُدار بها هذه العلاقة.
فسانشيز يميل إلى منطق الشراكة والتعاون المباشر باعتبارهما وسيلة لحماية المصالح الإسبانية، بينما يطرح الحزب الشعبي، وفق مواقفه المعلنة أخيراً، مقاربة أكثر تركيزاً على السيادة والوضوح والصرامة في قضايا الحدود والهجرة.
وتفرض هذه المعطيات على الرباط بدورها، قراءة الانتخابات الإسبانية بهدوء، بعيداً عن منطق الرهان على اسم سياسي بعينه، لأن المصالح المغربية مع إسبانيا أصبحت أوسع من أن تختزل في علاقة مع حكومة أو حزب.
فالمغرب أمام دولة أوروبية تجمعه بها حدود بحرية وبرية، وشراكات اقتصادية وأمنية، ومصالح مرتبطة بالطاقة والهجرة والتجارة، فضلاً عن الدور الإسباني داخل الاتحاد الأوروبي.
وسيكون التحدي بالنسبة إلى الرباط هو الحفاظ على التوازن بين تثبيت المكتسبات، التي تحققت خلال مرحلة سانشيز وبين الاستعداد لاحتمال وصول حكومة أكثر تشدداً في بعض الملفات.
وفي الحالتين، ستبقى لغة المصالح هي العامل الأكثر تأثيراً، فإسبانيا تحتاج المغرب في ملفات استراتيجية، والمغرب يحتاج إلى إسبانيا بوصفها بوابة أوروبية وشريكاً اقتصادياً وسياسياً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي.
وتقول خلاصة المشهد إن انتخابات 29 نونبر، لن تحدد فقط من سيدخل قصر مونكلوا، بل ستحدد أيضاً شكل المرحلة المقبلة من العلاقة مع الرباط.
فإذا عاد سانشيز، سيكون الرهان على استمرارية المسار الذي بدأ منذ 2022 مع محاولة معالجة نقاط التوتر الجديدة، وعلى رأسها سبتة ومليلية والهجرة.
أما إذا وصل الحزب الشعبي، فسيكون المغرب أمام شريك جديد أكثر تشدداً في خطاب السيادة والحدود، لكنه سيجد نفسه في الوقت ذاته أمام شبكة مصالح اقتصادية وأمنية تجعل القطيعة خياراً شديد الكلفة.
وفي النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية في اسم بيدرو سانشيز أو ألبرتو نونييث فيخو، فالواقع أن العلاقة أصبحت أكبر من حكومتيهما معاً.
وما ستختبره انتخابات 29 نونبر هو قدرة مدريد، أياً كان لون حكومتها المقبلة، على التوفيق بين خطاب السياسة الداخلية وحسابات الجغرافيا والمصالح، وقدرة الرباط، في المقابل، على حماية شراكة استراتيجية مع إسبانيا دون السماح بتحويل الملفات الحساسة إلى أدوات ضغط دائمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك