ياسر اروين يكتب:سؤال اليسار بالمغرب بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء

ياسر اروين يكتب:سؤال اليسار بالمغرب بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء
مقالات رأي / الثلاثاء 04 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

يعيش اليسار المغربي منذ سنوات وضعية معقدة تتسم بتراجع حضوره السياسي والتنظيمي والانتخابي، في وقت تشهد فيه الساحة الوطنية تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وقد أدى هذا الواقع إلى طرح أسئلة جوهرية حول قدرة اليسار على استعادة أدواره التاريخية كقوة اقتراحية وتغييرية، وحول السبل الكفيلة بإعادة بناء مشروع يساري قادر على التفاعل مع التحولات الجديدة ومواكبة انتظارات المجتمع المغربي.

لقد لعب اليسار المغربي أدوارا مركزية في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية خلال مراحل مختلفة من تاريخ المغرب المعاصر، وساهم في ترسيخ ثقافة سياسية حداثية كان لها أثر كبير في مسار الإصلاحات السياسية والمؤسساتية.

غير أن التحولات التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، إضافة إلى التحولات الداخلية المرتبطة بتغير البنية الاجتماعية وصعود فاعلين جدد، وضعت اليسار أمام تحديات غير مسبوقة لم يتمكن من التعامل معها بالنجاعة المطلوبة.

إن أزمة اليسار اليوم ليست فقط أزمة تنظيمات أو قيادات، بل هي أيضا أزمة مشروع ورؤية وخطاب. فقد أصبح جزء من الخطاب اليساري عاجزا عن الوصول إلى فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، كما أن النقاشات الداخلية استهلكت الكثير من الجهد على حساب الانخراط الفعلي في القضايا اليومية للمواطنين. وفي الوقت نفسه، لم تنجح أغلب مكونات اليسار في بناء جبهة موحدة قادرة على تحويل الرصيد التاريخي والفكري إلى قوة سياسية مؤثرة.

ومن هنا تبرز ضرورة القيام بنقد ذاتي شجاع ومسؤول، بعيدا عن منطق تبادل الاتهامات أو تحميل المسؤولية لعوامل خارجية فقط.

فالتجديد الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء التنظيمية والسياسية والتواصلية التي راكمتها التجربة اليسارية خلال العقود الأخيرة، كما يقتضي الانفتاح على كفاءات جديدة وطاقات شبابية قادرة على المساهمة في صياغة مشروع متجدد.

إن تجديد اليسار المغربي لا يعني التخلي عن مبادئه الأساسية، بل يقتضي إعادة صياغتها بما ينسجم مع التحولات الراهنة.

فالعدالة الاجتماعية اليوم لم تعد مرتبطة فقط بقضايا الشغل والأجور، بل أصبحت تشمل أيضا قضايا البيئة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والحقوق الثقافية والمجالية والمساواة بين الجنسين.

كما أن الدفاع عن الديمقراطية يفرض تطوير آليات جديدة للتواصل والتأطير والمشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، تبدو إعادة البناء رهينة بعدد من الشروط الأساسية، أولها تجاوز منطق التشتت والانقسام الذي أضعف اليسار لسنوات طويلة، وثانيها تجديد النخب الحزبية وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة لتحمل المسؤولية، وثالثها بناء خطاب سياسي قريب من هموم المواطنين اليومية وقادر على تقديم بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ.

كما أن اليسار المغربي مدعو إلى استثمار التحولات الاجتماعية العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، من خلال الانخراط الفعلي في قضايا الشباب والتعليم والصحة والتشغيل والسكن والعدالة المجالية، وعدم الاكتفاء بإنتاج الخطابات النظرية أو الاكتفاء بالمواقف السياسية التقليدية.

إن مستقبل اليسار بالمغرب لن يتحدد فقط بقدرته على المحافظة على إرثه النضالي، بل أيضا بقدرته على إنتاج أجوبة جديدة لأسئلة جديدة.

فالمجتمعات لا تنتظر من القوى السياسية أن تستحضر أمجاد الماضي فقط، بل أن تقدم تصورات عملية للمستقبل. ولذلك فإن إعادة بناء اليسار ينبغي أن تنطلق من مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي متجدد، يجعل من الإنسان وكرامته وحقوقه محور كل السياسات العمومية.

وفي الختام، فإن سؤال اليسار بالمغرب ليس سؤالا يهم اليساريين وحدهم، بل هو سؤال يهم مستقبل التعددية السياسية والديمقراطية والتنمية ببلادنا.

فكلما كان اليسار قويا ومتجددا ومؤثرا، كلما ازدادت حيوية الحياة السياسية وتعززت فرص بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وإنصافا.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك