نهاية التربية الروحية والصوفي الأخير

نهاية التربية الروحية والصوفي الأخير
مقالات رأي / الإثنين 18 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:أشرف الحزمري

من الأمور التي تستوقفك في تراثنا الروحي الإسلامي، منزلة التصوف في الشخصية الإسلامية التراثية، سواء كان عالما أو عاميا، فما من عالم كبير إلا وتجده قد تربى روحيا أو تطلع إلى ذلك أو رجاه أو بقيت في قلبه حسرة من عدم خوضه لهذه التجربة بصدق، لكن في سياقنا المعاصر فقَدَ التصوف أعمق ما فيه، بل فقد جوهره الحقيقي، وهو تخليق الناس وتهذيبهم وتأنيسهم أو أنسنتهم عبر تحليل ذواتهم نفسيًا وتشخيص أمراض قلوبهم واقتراح علاجهم بحسب قدراتهم وظروفهم، كان التصوف تجربة روحية ذاتية، يتكبّد فيها المريد رحلة شاقّة كي يتدرج في مراحل السير إلى الله. يقوم هذا السفر على مقاومة مضنية لنوازع النفس وأهوائها، يشتغل المريد المتصوف على ذاته كأنه ينحت بأظافره على الصخر من شدة ترسّخ رذائل الأنا وترسّبها في قاع النفس.

بعدها يتسلّم مقاليد المشيخة تكليفا لا تشريفا، فتبدأ رحلة أخرى شاقة في سياسة ذوات مريديه، يستند فيها على تجربته بصدق وحق، وينقل لهم ما كابده وعاناه، وليس ما قرأه او سمعه أو قدّره برأيه وعقله، يزيح عن هذا غطاء التكبّر والتسلّط، وعن الآخر حيله النفسية في أكل الحرام، وعن الآخر الغضب وانفعالاته السيئة، ويعالج ذاك من الحقد والحسد والإدمان على حب الدنيا ونسيان الموت والبعث، ويشفي الآخر من خبث الطوية والخسّة، يقدم لتلاميذه أسرار التديّن الروحية، ويُدرّجهم في منازل التزكية والتربية، حتى يتمكنوا من إدراك دلالات التعبد، ويقطفوا الثمرات الخلقية والروحية للشعائر، ويتعلموا ذوق أحوالهم ومشاعرهم، وغيرها من تقنيات الذات وقيم التديّن وأخلاق الدين القيّم.

ثم ورثنا نحن أبناء هذا الجيل والعصر والمرحلة تصوفًا تافهًا، مشيخات خرقاء، طرق صوفية ارتزاقية وفولكلورية، مريدون متبجّحون أحوجهم لطبيب نفسي من شيخ، وطرق صوفية همها الأساس إحياء علوم الدنيا (الانتهازية، المصلحية، إتقان فن التملق، الأخلاقوية، خداع النفس،.. الخ)، أَما الشيخ فإما أن تجده صاحب طموح دنيوي أو خرقة تمسح بها السلطة قذارتها، أو مشعوذا، أو صاحب طلسمات غامضة للإيهام أو طقوسيا، وإذا ما حمدت الله أنك وقفت على شيخ مغمور، يداهمك يوما متربصا بك في غفلة، ومنحنيا على أذنك طالبا دعمه ماديا أو دعم طريقته الفتية. 

وإذا خرجت تبحث في ميادين أخرى تجد التصوف وقد تم تفريغه من قوّته الأخلاقية ومبدأ الإرادة والرياضة، فصار تبرّكا في تقبيل يد جسد عجوز مترهل لم يذق يوما مشقة الرياضة وإنما ترك له الطريق والده المترهل أكثر منه، أو تجد التصوف وقد تم تصريفه في موسيقى روحية أو أدبا ورواية للمتعة الجمالية أو دراسات أكاديمية للترقية يتوهّم صاحبها أنه صوفي فقط لأنه تخصّص في النفري أو الحلاج أو ابن عربي، أو شعرا للترنّم بأخلاق روحية في صالونات لا أخلاقية ولا روحية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك