بقلم : إلياس عين الناس/
مكون المهارات الناعمة والتواصل بمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل،
ومقرر اللجنة المحلية للتشغيل والتكوين المهني.
التنمية
المحلية بسيدي يحيى الغرب..رهان الحكامة الترابية وهندسة الكفاءات الناعمة
قراءة في
كتاب
"إشكالية التنمية
المحلية بمدينة سيدي يحيى الغرب: تصورات ومقترحات".
في زمنٍ
تتعالى فيه الأسئلة الكبرى حول جدوى "النموذج التنموي الجديد" ، وفعالية ورش
"الجهوية المتقدمة" في تقليص الفوارق المجالية بين المركز والهوامش ، يأتي الكتاب
الجماعي "إشكالية التنمية المحلية بمدينة سيدي يحيى الغرب : تصورات
ومقترحات" ليُشكّل مبادرة علمية ومدنية فريدة. هذا العمل التأليفي، الذي
ساهمت فيه نخبة من الباحثين والممارسين والفاعلين المحليين، لا يقدم سيدي يحيى
الغرب بوصفها حالة معزولة، بل يجعل منها نموذجاً تحليلياً دقيقاً لفهم مفارقات
التنمية في الحواضر الصغرى والمتوسطة بالمغرب، بعيداً عن الحسابات السياسوية
الضيقة.
مفارقة
جغرافية صادمة.. "الإقصاء الهيكلي"
تنطلق فصول
الكتاب من معطى جغرافي يبدو للوهلة الأولى "نعمةً تنموية"؛ فمدينة سيدي
يحيى الغرب لا تبعد سوى خمسة كيلومترات عن "المنطقة الحرة الأطلسية"
بالقنيطرة، التي تُعد أحد أنجح الأقطاب الصناعية المندمجة في القارة الإفريقية
(تمتد على أكثر من 600 هكتار، وتستقطب كبريات الشركات العالمية مثل مجمع
"ستيلانتيس" لصناعة السيارات).
غير أن هذا
القرب المجالي تحوّل، في غياب آليات الإدماج الفعالة، إلى ما يُشبه "الإقصاء
الهيكلي". فالكتاب يوثّق، استناداً إلى معطيات رسمية وميدانية، أن معدلات
البطالة بإقليم سيدي سليمان تتجاوز عتبة 15 في المائة، متجاوزة المتوسط الوطني. في
المقابل، تتركز معظم فرص الشغل المحلية في قطاعَي الفلاحة والبناء، وكلاهما يتسم
بـ"موسمية التشغيل" التي تكرّس الشغل الناقص وتُغذّي دوامة الهشاشة.
نزيف
الكفاءات وتحوّل المدينة إلى "غرفة نوم"
من أبرز
الإشكاليات التي يضعها الكتاب على طاولة التشريح ، ظاهرة النزيف الديموغرافي وهجرة الكفاءات.
فأمام غياب آفاق مهنية واضحة وضعف البنية التكوينية، يضطر شباب المدينة إلى الهجرة
اليومية أو الدائمة نحو القنيطرة وسلا والرباط ومدن المحور الأطلسي.
هذه الهجرة
ليست فقط مكلفة لميزانيات الأسر المعوزة، بل هي "قاتلة" لدينامية
الاقتصاد المحلي؛ إذ تُفرغ المدينة تدريجياً من طاقاتها الشابة الفاعلة، محوِّلةً
إياها إلى ما يشبه "مدينة نوم" تفتقر للإنتاجية والابتكار وتكتفي بإيواء
العمالة.
"الفجوة المهاراتية"..
تشخيص يتجاوز السطح
لا يكتفي
العمل بتوصيف الواقع، بل يمضي إلى تفكيك ما يُصطلح عليه بـ"الفجوة
المهاراتية". فالمقاولات الصناعية الحديثة، التي تعتمد آليات الجيل الرابع من
الصناعة، لم تعد تبحث عن "اليد العاملة الرخيصة وغير المؤهلة"، بل باتت
تشترط مواصفات تقنية وسلوكية دقيقة.
في المقابل،
يتّسم العرض المهاراتي المحلي بمحدوديته واعتماده على حِرف تقليدية غير مهيكلة
تفتقر إلى الإشهاد الأكاديمي أو المهني المعتمد. وهنا تتجلى دقة المقاربة: المسألة
لم تعد مجرد "وساطة في التوظيف"، بل تتطلب "إعادة هندسة
شاملة" للملف المهني للشاب الباحث عن عمل، ليتطابق مع المواصفات الصارمة
للصناعة المعاصرة (تقنياً، لغوياً، رقمياً، وسلوكياً).
التكوين
المهني ورهان "العدالة المجالية"
يُسند الكتاب
مكانة محورية لقطاع التكوين المهني، بوصفه رافعةً استراتيجية للتنمية. ويستحضر
مشروع "مدن المهن والكفاءات" (تحديداً مدينة المهن بتامسنا بطاقة استيعابية
تتجاوز 3560 مقعداً). لكنه يطرح إشكالاً دقيقاً: ما جدوى هذه البنيات الجهوية
المتطورة بالنسبة لشابٍ من سيدي يحيى الغرب لا يقوى على تحمّل تكاليف التنقل
اليومي إلى تامسنا؟
من هنا، تبرز
ضرورة إقرار "عدالة مجالية" حقيقية، عبر توطين نماذج التكوين محلياً
بإحداث "مركز تكوين مهني للقرب"، يُصمَّم على مقاس حاجيات المنطقة الحرة
الأطلسية والقطاع الفلاحي العصري المحيط بالمدينة.
المهارات
الناعمة
(Soft Skills).. الحلقة المفقودة
لعل الإسهام
الأكثر جرأة في هذا الكتاب هو إعادة الاعتبار للمهارات الناعمة بوصفها الحلقة
المفقودة في معادلة الإدماج المهني. فالدراسات في البيئة الصناعية المغربية (خاصة
قطاع السيارات) تكشف أن قرابة 75 في المائة من أسباب استدامة الموظف في عمله
وارتقائه، تعود إلى امتلاكه ترسانة قوية من الكفاءات السلوكية والحياتية (التواصل،
حل المشكلات، العمل الجماعي)، وليس فقط لتميزه التقني المجرّد.
خاتمة -
التخلف المجالي ليس قدرا
يخلص الكتاب
الجماعي إلى استنتاج قاطع: التخلف المجالي ليس قَدَراً جيوسياسيا محتوما، بل هو في
الغالب نتاجُ تراكمات من غياب التخطيط الاستراتيجي المندمج ، وقصور في التثمين
الحقيقي للرأسمال البشري. إن الاستمرار في الرهان على "المقاربات
الإسمنتية" والبنيات التحتية الصلبة وحدها لم يعد قادرا على صناعة الفارق، ما
لم يتوازَ عضويا مع استثمار حقيقي في الإنسان.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك