بقلم:خالد راكز
تعد الاستعارة، احد الادوات المفهومية التي تسمح بإعادة التفكير في الممارسات العملية خصوصا في العلوم الانسانية. حيث تتداخل المعرفة بالممارسة الاجتماعية والتاريخبة.
وفي هذا السياق يبرز نص زيارة قصيرة لمطبخ العلوم الإنسانية بوصفه محاولة لتفكيك التصور التقني الصارم المنهج عبر استعارة المطبخ التي تكشف عن الطابع التركيبي والتجريبي لانتاج المعرفة.
فيدل تصور المنهج كجملة. من القواعد الصورية القابلة للتطبيق الميكانيكي تقترح هذه الاستعارة فهما مختلفا العمل البحثي يقوم على المهارة والتقدير والقدرة على تركيب ادوات متعددة داخل وضعيات معرفية متغيرة.
ومن هنا تطرح هذه القراءة الإشكالية التالية:الى اي حد يمكن فهم ممارسة البحث في العلوم الإنسانية بوصفها شكلا من البريكولاج المعرفي الذي بحكمه مايسميه بيير بورديو بالحكم العملي؟
اولا:المطبخ كاستعارة ايبستمولوجية لإنتاج المعرفة
تحيل استعارة المطبخ الى نص لا يتسم فيه تطبيق وصفات جاهزة بقدر ما تمارس فيه عملية تركيب دقيق لعناصر متعددة .
فالطباخ لا يكتفي باتباع تعليمات مسبقة بل يختبر النسب ويعدل المكونات ويعيد ترتيب العناصر وفق ما يفرضه السياق على هذا النحو يمكن فهم المطبخ بوصفه مجازا لعملية انتاج المعرفة في العلوم الإنسانية.
فالباحث لا يواجه واقعا اجتماعيا قابلا للتفسير بواسطة نموذج نظري واحد بل يتعامل مع ظواهر مركبة تتطلب مزج ادوات تحليلية متعددة ومن ثم فإن المنهج لايظهر هنا كقانون سابق بل كعملية تركيب مستمرة تتشكل داخل الممارسة البحثية نفسها.
ثانيا:التوابل وتعددية المناهج
تشير عناصر الطبخ المختلفة الى مايمكن تسميته مجازا التوابل الى تعددية المناهج والمقاربات النظرية داخل العلوم الانسانية.
فالتحليل الاجتماعي قد يستعين بالسوسيولوجيا والانطربولوجيا او التاريخ او الاقتصاد السياسي.
غير ان تعدد الادوات لايعني جمعها بصورة اعتباطية فكما أن الإفراط في التوابل قد يفسد الطبق.
فإن التراكم غير المنظم للمناهج قد يؤدي الى فقدان التماسك التحليلي لذلك يصبح دور الباحث شبيها بدور الطباخ الماهر الذي يعرف متى يستخدم الأداة المناسبة.وباي مقدار وفي اي لحظة في عملية التحليل.
ثالثا:الباحث كـbricoleur
يمكن ربط هذه الاستعارة بمفهوم البريكولاج bricolage الذي صاغه كلود ليفي ستراوس في تحليله لانماط التفكير فالبريكولور هو ذلك الفاعل الذي يشتغل بماهو متاح من ادوات ويعيد توظيفها بطرق جديدة لحل المشكلات التي يواجهها وعند نقل هذا هذا المفهوم الى حقل العلوم الانسانية يصبح الباحث نفسه أشبه ببريكولور معرفي.
يستعير مفاهيم من حقول مختلفة يعيد تركيبها داخل سياقات جديدة ويكيفها مع تعقيد الواقع الاجتماعي بهذا المعنى لايكون المنهج مخططا هندسيا صارما بل عملية ابتكار مستمرة لمقتضيات البحث الميداني.
رابعا:الحكم العملي وايبستيمولوجيا المساءلة
تتعمق هذه القراءة اكثر عند ربطها بإبستيمولوجيا الحكم العملي لدى بيير بورديو فهذا الاخير يميز بين العقل النظري الذي يميل الى صياغة القواعد المجردة والعقل العملي الذي يتجسد في القدرة على اتخاذ قرارات ما داخل وضعيات معقدة وغير مكتملة القواعد.
يشبه الحكم العملي في هذا السياق مهارة الطباخ. الذي يعرف كيف يتصرف عندما تتغير ظروف الطبخ او تختلف طبيعة المكونات فهو لايعود في كل لحظة الى وصفة مكتوبة بل يستند على خبرة متراكمة بطرق متباينة.
تشكل ما يسميه بورديو بالهابتوس وبالمثل فإن الباحث في العلوم الإنسانية لايطبق المنهج بشكل آلي بل يمارس نوعا من الحس المنهجي المتجسد الذي يسمح له بتعديل أدواته باستمرار وهكذا يتحول المنهج من مجموعة تعليمات تقنية إلى ممارسة معرفية تتشكل داخل عملية البحث نفسها.
خامسا:ضد المنهجانية الصورية
اي ان الاعتقاد بأن الالتزام الكلي بقواعد المنهج كاف لانتاج معرفة علمية فالطبخ لاينجح بمجرد حفظ الوصفات بل يتجلى في مهارة وتجربة وقدرة على الابتكار .
وعلى هذا الأساس فإن عملية البحث في العلوم الإنسانية لاتقاس بمدى التقيد الحرفي بالقواعد المنهجية بل بقدرة الباحث على تفعيل تلك القواعد داخل سياقات تحليلية معقدة ان المنهج ليس غاية في ذاته بل أداة مركبة تخضع لمنطق الاستخدام العملي ذاته.
تكشف استعارة مطبخ في العلوم الإنسانية عن تصور مغاير للعمل البحثي يتجاوز الفهم التقني للمنهج ليؤكد الطابع العملي والتركيبي لإنتاج المعرفة فالعلوم الانسانية لا تنتج عبر تطبيق وصفات جاهزة بل عبر ممارسة معرفية تتطلب مهارة وقدرة على التقدير والابتكار.
وفي هذا الإطار يسمح الربط بين مفهوم البريكولاج لدى كلود ليفي ستراوس وايبستيمولوجيا الحكم العملي عند بورديو بفهم الباحث بوصفه فاعلا معرفيا يشتغل داخل شروط معقدة ويعيد تركيب أدواته النظرية باستمرار وهكذا يصبح الطبخ مجازا وصفا دقيقا لفضاء انتاج المعرفة حيث تقابل المفاهيم والمتابعة والخبرة العملية بعملية تركيبة مفهومة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك