أنتلجنسيا:أبو فراس
تحولت المواجهة الكلامية بين تل أبيب وأنقرة إلى مصدر قلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بعدما بدأت تصريحات بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس تتجاوز حدود الضغط السياسي إلى مستوى قد يفتح الباب أمام تصعيد مباشر مع تركيا، في وقت ترى فيه دوائر أمنية إسرائيلية أن هذا المسار لا يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل.
وحسب ما أوردته القناة الـ12 الإسرائيلية، فإن جهات داخل المنظومة الأمنية أبدت تحفظاً واضحاً على الطريقة التي يدير بها نتنياهو وكاتس الخلاف مع أنقرة، معتبرة أن تحويل التوتر إلى مواجهة علنية واسعة قد يشعل جبهة إضافية من دون مبرر أمني حقيقي، خصوصاً في ظل حساسية الوضع داخل سوريا.
وتزامن هذا التحذير مع تصاعد المواجهة بين الطرفين عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت الثلاثاء مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب شمال سوريا، والذي يبعد نحو 70 كيلومتراً عن الحدود التركية، بعدما بررت إسرائيل هجومها بوجود قوات تركية في الموقع.
لكن أنقرة سارعت إلى نفي الرواية الإسرائيلية، مؤكدة عدم وجود قوات تركية في المطار لحظة الهجوم، ومشددة على أن تعاونها مع الحكومة السورية يأتي في إطار مشروع ويهدف، بحسب موقفها، إلى دعم الاستقرار وتعزيز القدرات الأمنية السورية.
الجيش يتحرك والأمن يريد «حرباً تحت الرادار»
المفارقة داخل إسرائيل لا تتعلق فقط بالخلاف مع تركيا، بل بالطريقة التي ينبغي أن تُدار بها المواجهة. فوفق القناة الـ12، كان الجيش الإسرائيلي وراء الدفع باتجاه تنفيذ الضربة على أبو الظهور، بينما فضّلت جهات أمنية إبقاء العملية بعيداً عن الأضواء، في محاولة لتجنب تحويلها إلى أزمة علنية مع أنقرة.
وترى هذه الجهات أن التحركات الإسرائيلية ضد النشاط التركي في سوريا يمكن تنفيذها بعيداً عن التصعيد الإعلامي، وأن إطلاق التهديدات والتصريحات النارية من أعلى هرم السلطة قد يضيّق هامش المناورة ويجعل التراجع أكثر صعوبة في حال تطورت الأزمة.
غير أن نتنياهو وكاتس اختارا مساراً مختلفاً، حيث تحولت تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان إلى هدف متكرر في خطاب القيادة السياسية الإسرائيلية، في وقت تتجه فيه إسرائيل نحو انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر المقبل.
كاتس يهاجم أردوغان ونتنياهو يرفع السقف
خلال الأيام الأخيرة، ارتفعت حدة التصريحات الإسرائيلية بشكل لافت. فقد هاجم كاتس أردوغان، متهماً إياه بدفع تركيا نحو ما وصفه بـ«مغامرات خطيرة» داخل سوريا، قبل أن يصعد نتنياهو بدوره لهجته ضد الرئيس التركي، واصفاً إياه بأنه «طاغية معادٍ للسامية».
هذه التصريحات لم تمر مروراً عادياً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي تخشى، بحسب القناة الـ12، أن تتحول الحرب الكلامية إلى وقود لتصعيد ميداني، خصوصاً في سوريا حيث تتقاطع مصالح وقوات وأجندات عدة أطراف إقليمية ودولية.
وتفضّل الأجهزة الأمنية، وفق المصدر ذاته، اعتماد سياسة أكثر هدوءاً في التعامل مع التحركات التركية، بدلاً من الدخول في مواجهة علنية قد تتطور إلى أزمة استراتيجية يصعب احتواؤها.
أنقرة ترد: نتنياهو يصنع «تهديداً جديداً»
في المقابل، لم تتأخر أنقرة في الرد على التصعيد الإسرائيلي، إذ اتهمت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية حكومة نتنياهو بمحاولة تقديم تركيا باعتبارها عدواً جديداً لإسرائيل، معتبرة أن ذلك يدخل ضمن خطاب أمني شعبوي غير مسؤول، ويتزامن بشكل واضح مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي.
وذهبت الرئاسة التركية إلى اعتبار الهجوم على أنقرة وأردوغان انعكاساً لما وصفته بحالة العجز السياسي التي تعاني منها حكومة نتنياهو، مشيرة إلى أن التصعيد قد يكون مرتبطاً أيضاً بمحاولة تحقيق مكاسب داخلية خلال المعركة الانتخابية.
وفي تطور أكثر حدة، أعلن وزير العدل التركي أقين غورلاك أن وزارته طلبت من وزارة الداخلية اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصدار نشرة حمراء بحق نتنياهو، في إطار قضية تتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بارتكاب إبادة جماعية.
ورد مكتب نتنياهو سريعاً على الخطوة التركية، متهماً أنقرة بالنفاق، ومؤكداً أن إسرائيل ستواصل التحرك ضد ما تعتبره محاولات تركية لزعزعة استقرار المنطقة والتهديد لأمنها.
سوريا تتحول إلى ساحة اختبار بين تل أبيب وأنقرة
الخطير في المشهد أن الخلاف لم يعد محصوراً في التصريحات المتبادلة، بل بات مرتبطاً مباشرة بساحة سورية شديدة الحساسية. فوجود تركيا وتحركاتها داخل سوريا، مقابل النشاط العسكري الإسرائيلي، يضع الطرفين أمام احتمال احتكاك غير محسوب قد يتجاوز حدود الرسائل السياسية.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية مع دخول تركيا بقوة في المعادلة السورية، في وقت تعتبر فيه تل أبيب أن أي تمدد لقوة إقليمية منافسة بالقرب من مناطق نفوذها يمثل تطوراً أمنياً لا يمكن تجاهله.
لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبدو، وفق المعطيات المتداولة، أكثر حذراً من القيادة السياسية في تقدير تكلفة المواجهة. فبينما يستخدم نتنياهو وحلفاؤه ملف تركيا في الخطاب السياسي، تخشى الأجهزة الأمنية أن يؤدي الإفراط في التصعيد إلى خلق خصم جديد في بيئة إقليمية مكتظة أصلاً بالأزمات.
الانتخابات تشعل المواجهة
ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي ضد تركيا عن الحسابات السياسية الداخلية. فمع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر، يواجه نتنياهو ضغوطاً متزايدة داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، إلى جانب خلافات وانقسامات داخل حزب الليكود والائتلاف اليميني بشأن الاستحقاق المقبل.
وفي مثل هذه الأجواء، تتحول الملفات الأمنية الخارجية إلى جزء من المعركة الانتخابية، ويصبح الخطاب المتشدد وسيلة لحشد القاعدة السياسية وإظهار الحكومة بمظهر القوة في مواجهة ما تقدمه باعتباره تهديدات إقليمية.
لكن المشكلة، وفق التحذيرات المنسوبة إلى جهات أمنية إسرائيلية، أن اللعب بالنار في الملف التركي يختلف عن مجرد خطاب انتخابي. فتركيا ليست خصماً هامشياً، وأي انتقال من الحرب الكلامية إلى مواجهة ميدانية في سوريا قد يفتح أزمة إقليمية يصعب التحكم في مساراتها.
وبين نتنياهو الذي يرفع سقف المواجهة، وكاتس الذي يواصل هجومه على أنقرة، ومؤسسة أمنية تفضّل التحرك بعيداً عن الأضواء، تبدو إسرائيل أمام خلاف داخلي واضح حول كيفية التعامل مع تركيا. وبينما يحاول السياسيون تحويل أنقرة إلى عنوان انتخابي، تحذر الأجهزة الأمنية من أن يتحول هذا العنوان إلى مواجهة حقيقية، خصوصاً إذا استمرت سوريا في لعب دور الشرارة التي قد تشعل صراعاً أكبر بين قوتين إقليميتين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك