أنتلجنسيا:ياسر اروين
لم تكد نيران المواجهة الأخيرة مع إيران تخمد حتى بدأت ملامح شرق أوسط جديد تتشكل بسرعة غير مسبوقة، وسط تحركات سياسية وعسكرية تعكس أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة رسم موازين القوى والتحالفات الاستراتيجية. وفي قلب هذه التحولات برز الإعلان عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، كحدث أثار اهتمام المراقبين وأعاد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الأمن الإقليمي وطبيعة الاصطفافات التي قد تفرزها المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التطور في ظرف إقليمي شديد الحساسية، حيث لا تزال تداعيات الحرب الأخيرة تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني، بعدما كشفت المواجهات حجم التحولات التي تعرفها معادلات الردع والتوازنات العسكرية في المنطقة. فالحرب لم تقتصر على ساحات القتال، بل فتحت الباب أمام مراجعات استراتيجية واسعة دفعت عدداً من الدول إلى البحث عن صيغ جديدة للتنسيق والتعاون الأمني والعسكري.
ويرى متابعون أن اتفاقية مكة تمثل أكثر من مجرد إطار للتعاون الدفاعي بين ثلاث دول تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً مهماً في العالم الإسلامي، إذ تحمل مؤشرات على رغبة متزايدة في بناء آليات تنسيق أمني أكثر فعالية في مواجهة التحديات المتصاعدة التي تعرفها المنطقة، سواء تعلق الأمر بالأزمات الإقليمية أو التهديدات العابرة للحدود أو التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
كما يلفت هذا التحالف الانتباه بسبب توقيته، إذ جاء مباشرة بعد مرحلة إقليمية مضطربة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول فعالية المنظومات الأمنية التقليدية وقدرتها على التعامل مع الأزمات الكبرى. وهو ما دفع العديد من المحللين إلى اعتبار الاتفاق جزءاً من عملية إعادة تموضع أوسع تشهدها المنطقة في أعقاب التطورات العسكرية الأخيرة.
وفي المقابل، أثار الإعلان عن الاتفاق تساؤلات بشأن غياب قوى إقليمية أخرى مؤثرة عن هذا الإطار الدفاعي الجديد، وهو ما فتح باب التكهنات حول طبيعة الرسائل السياسية والاستراتيجية التي يحملها هذا التشكيل الثلاثي، وحول ما إذا كان مقدمة لتحالف أوسع مستقبلاً أم مجرد آلية تعاون محددة الأهداف والمهام.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل استمرار بؤر التوتر في عدد من الساحات الإقليمية، من اليمن إلى ملفات أمنية أخرى ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. فالمشهد الحالي يكشف أن المسارات العسكرية والسياسية أصبحت أكثر تداخلاً من أي وقت مضى، وأن القرارات المتعلقة بالتحالفات الأمنية لم تعد منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والاستراتيجية الكبرى.
ويرى خبراء أن أي تحالف دفاعي جديد في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي تعرفها المنطقة منذ سنوات، سواء على مستوى العلاقات بين الدول أو على مستوى إدراك المخاطر المشتركة. كما أن نجاح أي إطار أمني جديد سيظل مرتبطاً بقدرته على الانتقال من البيانات السياسية إلى آليات عملية للتنسيق والتخطيط والتعامل مع التحديات الأمنية المتزايدة.
وفي ظل هذا الواقع المتغير، تبدو اتفاقية مكة واحدة من أبرز الإشارات إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق. فبعد الحرب التي هزت حسابات العديد من العواصم، لم يعد السؤال يتعلق فقط بمن انتصر أو خسر في المواجهة العسكرية، بل بكيفية إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي بأكملها، ومن هي القوى التي ستقود هذه المرحلة الجديدة.
وبين من يعتبر الاتفاق نواة لتحالف استراتيجي قد يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، ومن يراه مجرد خطوة تنسيقية فرضتها الظروف الراهنة، يبقى المؤكد أن المنطقة تعيش لحظة مفصلية قد تكون مقدمة لتحولات أعمق في السنوات المقبلة، وأن ما بعد الحرب على إيران لن يكون كما كان قبلها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك