أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
لم يعد التحول في مواقف الشارع العربي تجاه الولايات المتحدة مجرد انطباع عابر، بل بات اتجاهاً متسارعاً توثقه الأرقام والمعطيات، في ظل تداعيات الحرب في غزة والتصعيد مع إيران، وهو ما كشفه تحليل معمق نشرته مجلة فورين أفيرز أعده الأكاديميان أماني جمال ومايكل روبنز، مسلطين الضوء على انهيار غير مسبوق في ثقة شعوب المنطقة بالسياسات الغربية.
المعطيات التي استند إليها التقرير، خاصة نتائج استطلاعات الباروميتر العربي، تكشف أن تداعيات هجوم 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب مدمرة على غزة لم تقتصر على الخسائر البشرية والاقتصادية، بل أطلقت تحولاً عميقاً في الوعي السياسي لملايين العرب، الذين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة كطرف منحاز وغير موثوق، بل ومتورط أخلاقياً في الصراع.
التحول لم يكن سطحياً أو مؤقتاً، بل ترسخ مع مرور الوقت، حيث أظهرت استطلاعات أُجريت في عدة دول عربية أن الثقة في النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن تآكلت بشكل كبير، مقابل صعود لافت في صورة قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، بل وحتى إيران، رغم التحفظات التقليدية تجاه سياساتها.
وبينما كانت الولايات المتحدة تقدم نفسها كحامية للنظام الدولي والقانون، باتت في نظر قطاع واسع من الرأي العام العربي رمزاً لازدواجية المعايير، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث يرى أغلب المستجوبين أنها تنحاز بشكل واضح إلى إسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين. هذا الإدراك لم ينعكس فقط على صورة واشنطن، بل امتد ليشمل حلفاءها الأوروبيين، وإن بدرجات متفاوتة.
الأرقام الواردة في التقرير ترسم صورة صادمة: نسب متدنية جداً لتأييد السياسات الأميركية في عدة دول عربية، مقابل ارتفاع ملحوظ في الثقة بالصين، التي ينظر إليها كثيرون كفاعل دولي أكثر توازناً، ليس بالضرورة لقوة نموذجها، بل بسبب تراجع صورة الغرب. حتى روسيا، رغم حربها في أوكرانيا، تمكنت من الحفاظ على موقع متقدم في نظرة الشارع العربي مقارنة بالولايات المتحدة.
اللافت أيضاً أن هذا التحول لا يعني تبنياً كاملاً لمواقف القوى المنافسة لواشنطن، بل يعكس بالأساس حالة رفض وغضب من السياسات الغربية، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وغياب أي أفق حقيقي لتسوية عادلة. فبالنسبة للكثيرين، لم تعد المشكلة فقط في السياسة الأميركية، بل في مصداقية المنظومة الدولية ككل، التي يُنظر إليها على أنها فشلت في حماية المدنيين أو فرض احترام القانون الدولي.
التقرير يحذر من تداعيات سياسية أعمق، إذ إن تراجع شعبية الولايات المتحدة قد يضع الأنظمة العربية نفسها تحت ضغط شعبي متزايد، ما قد يدفعها إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع واشنطن، أو على الأقل تقليص مظاهر هذا التعاون. وفي المقابل، قد تتجه هذه الدول نحو تنويع شراكاتها، خاصة مع الصين وروسيا، في مجالات الاقتصاد والدفاع.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو الحرب مع إيران عاملاً إضافياً في تعميق الفجوة، إذ يُنظر إليها في الوعي العربي كامتداد لسياسات الهيمنة، وليس كجهد لتحقيق الاستقرار. كما أن استمرار الدمار في غزة دون إعادة إعمار حقيقية يزيد من ترسيخ صورة سلبية عن الدور الأميركي.
ورغم هذا التراجع الحاد، لا يستبعد التقرير إمكانية استعادة الولايات المتحدة لمكانتها، لكن ذلك مشروط بتغيير جذري في سياساتها، خاصة ما يتعلق بإنهاء الصراعات الإقليمية، والضغط من أجل حل عادل للقضية الفلسطينية، والالتزام الفعلي بالقانون الدولي، وليس الانتقائي.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تحول تاريخية، حيث لم تعد موازين النفوذ تُحدد فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بشرعية المواقف الأخلاقية في نظر الشعوب، وهي المعركة التي يبدو أن واشنطن تخسرها تدريجياً، لصالح قوى تسعى لملء الفراغ في نظام عالمي يعاد تشكيله من جديد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك