أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في تطور سياسي وأمني غير مسبوق، أعلن جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، استقالته الفورية من منصبه، احتجاجاً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في خطوة هزّت أركان المؤسسة الأمنية وكشفت تصدعات عميقة داخل دوائر القرار في واشنطن.
الاستقالة، التي وُجهت مباشرة إلى دونالد ترامب، لم تكن إجراءً إدارياً عادياً، بل جاءت محمّلة باتهامات سياسية ثقيلة، حيث أعلن كينت صراحة أنه لا يستطيع دعم حرب “لا تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي”، معتبراً أن بلاده انزلقت إلى هذا الصراع تحت تأثير ضغوط إسرائيلية ولوبيات نافذة داخل الولايات المتحدة.
المعطى الأخطر في هذه الخطوة لا يكمن فقط في الاستقالة بحد ذاتها، بل في مضمونها، إذ وجّه المسؤول الاستخباراتي السابق اتهامات مباشرة لما وصفه بـ”حملة تضليل ممنهجة”، حمّل فيها مسؤولية توجيه القرار الأمريكي إلى جهات إسرائيلية وإعلامية، اتهمها بتضخيم خطر إيران وتقديم معطيات مغلوطة للرئيس الأمريكي، في سيناريو أعاد إلى الأذهان أجواء حرب العراق التي بُنيت، وفق تعبيره، على مبررات مشابهة انتهت بكلفة بشرية وسياسية باهظة.
تصريحات كينت فجّرت نقاشاً حاداً حول مصداقية الأسس التي بُنيت عليها الحرب، خاصة في ظل تضارب الروايات داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث تراوحت مبررات التدخل بين الحديث عن “تهديد وشيك” وادعاءات تتعلق ببرامج تسليح إيرانية، في مقابل معطيات صادرة عن وزارة الدفاع تشير إلى غياب نية إيرانية لشن هجوم ما لم تتعرض لضربة مسبقة.
الاستقالة تكتسي أيضاً بعداً رمزياً قوياً، بالنظر إلى المسار المهني والعسكري لصاحبها، الذي راكم خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب وخاض عدة جولات قتالية، ما يمنح مواقفه وزناً خاصاً داخل النقاش الدائر، ويجعل من خروجه من المنظومة بمثابة إشارة إنذار حول طبيعة القرارات المتخذة في أعلى هرم السلطة.
سياسياً، تمثل هذه الخطوة أول شرخ علني كبير داخل إدارة ترامب خلال ولايته الثانية على خلفية قرار استراتيجي بهذا الحجم، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة من التشكيك داخل الكونغرس ودوائر الاستخبارات بشأن الأسس القانونية والأمنية للحرب، خاصة مع تزايد الأصوات المنتقدة التي ترى أن الولايات المتحدة قد تكون بصدد تكرار أخطاء الماضي في الشرق الأوسط.
وفي العمق، تعيد هذه التطورات طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين السياسة والاستخبارات في واشنطن، وحول مدى استقلالية القرار الأمريكي في قضايا الحرب والسلم، في ظل نفوذ جماعات الضغط وتداخل المصالح الدولية.
ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد استقالة لمسؤول رفيع، بل لحظة كاشفة قد تعيد رسم ملامح النقاش الأمريكي حول الحروب الخارجية، وتضع إدارة ترامب أمام اختبار صعب بين الاستمرار في نهجها التصعيدي، أو مواجهة تداعيات داخلية قد تتجاوز حدود الجدل السياسي إلى أزمة ثقة عميقة في مؤسسات الدولة نفسها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك