أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصعيد غير مسبوق يعكس منطق الإكراه الاقتصادي في العلاقات الدولية، (لوح) بفرض رسوم جمركية خيالية تصل إلى 200 في المائة على الواردات الفرنسية، في حال امتنعت باريس عن الانضمام إلى ما سماه “مجلس السلام الخاص بغزة”، وهو تهديد فجّ يكشف تحوّل خطاب “السلام” إلى أداة ضغط تجاري وسياسي مباشر على الحلفاء قبل الخصوم.
هذا التهديد، الذي يضع فرنسا في مرمى عقوبات اقتصادية قاسية، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لإدارة ترامب التي دأبت على توظيف القوة الاقتصادية الأميركية كسلاح سياسي، حتى في الملفات ذات الطابع الإنساني والدولي الحساس. فبدل بناء توافقات دبلوماسية قائمة على الحوار والشرعية الدولية، يجري استبدالها بمنطق العصا الغليظة والابتزاز المالي، بما ينسف جوهر أي مبادرة سلام حقيقية.
ويطرح هذا الموقف تساؤلات عميقة حول طبيعة “مجلس السلام” المقترح نفسه: هل هو إطار دولي مستقل يسعى إلى إنهاء معاناة غزة وإرساء استقرار عادل، أم أداة نفوذ أميركية جديدة لفرض الاصطفاف السياسي بالقوة؟ فربط الانضمام إلى هيئة يُفترض أن تكون إنسانية بتهديدات اقتصادية مباشرة، يفقدها منذ البداية أي مصداقية أخلاقية أو سياسية.
كما يعكس هذا التصعيد توتراً متزايداً داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث لم تعد الخلافات تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل تُنقل إلى العلن عبر لغة التهديد والعقاب. فرنسا، التي تحاول منذ سنوات الحفاظ على هامش استقلالية في مواقفها الدولية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة قاسية: إما الالتحاق بمبادرة مفروضة بشروط واشنطن، أو مواجهة حرب تجارية قد تكون كلفتها باهظة على اقتصادها.
الأخطر في هذا التهديد أنه يرسّخ سابقة خطيرة في النظام الدولي، تقوم على تحويل قضايا السلم والحرب، ومعاناة الشعوب، إلى أوراق مساومة في بازار المصالح. وهو ما ينذر بتقويض ما تبقى من قواعد العمل متعدد الأطراف، واستبداله بعالم تحكمه موازين القوة الصرفة، حيث تُفرض “السلامات” بالرسوم الجمركية، لا بالعدالة والشرعية.
في المحصلة، لا يبدو أن هذا الخطاب يخدم السلام في غزة ولا الاستقرار الدولي، بقدر ما يعمّق الانقسامات ويكشف الوجه العاري لسياسة خارجية ترى في الاقتصاد سلاحاً، وفي الحلفاء أهدافاً محتملة، وفي السلام شعاراً يُرفع حين يخدم حسابات النفوذ فقط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك