أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل
في كل سنة
يعود فاتح ماي كموعد رسمي للاحتفال بالشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية، لكن خلف
الصور اللامعة والمنصات المليئة بالشعارات، يظل واقع النساء العاملات، وخاصة
العاملات في الحقول، واحداً من أكثر الملفات إيلاماً وتهميشاً، وكأن هذه الفئة
خارج الحسابات الكبرى للخطاب السياسي والنقابي، رغم أنها تمثل العمود الفقري غير
المرئي لجزء مهم من الاقتصاد الفلاحي، حيث تخرج آلاف النساء فجراً إلى الحقول في
ظروف قاسية، يواجهن البرد القارس أو الحرارة الحارقة، دون حماية كافية، ودون عقود
عمل واضحة، ودون أي ضمانات اجتماعية حقيقية، في مشهد يومي يعكس هشاشة بنيوية أكثر
مما يعكس مجرد اختلالات ظرفية.
النساء
العاملات في الحقول لا يعشن فقط ضغط العمل الشاق، بل يعشن أيضاً ضغط الهشاشة
المركبة، إذ يتم نقلهن في وسائل نقل غير آمنة، أحياناً في شاحنات مخصصة للسلع، ما
يعرض حياتهن للخطر بشكل مستمر، في ظل غياب رقابة صارمة على شروط النقل والعمل، وهو
ما يجعل كل يوم عمل بالنسبة لهن رحلة غير مضمونة العودة، بين طريق محفوف بالمخاطر
وساعات طويلة من الجهد الجسدي المضاعف، مقابل أجور زهيدة لا تعكس حجم التضحيات ولا
طبيعة العمل.
ورغم خطورة
هذا الوضع، يلاحظ أن خطابات فاتح ماي غالباً ما تمر مروراً سريعاً على قضية النساء
العاملات، وكأنهن تفصيل هامشي داخل منظومة الشغل، حيث تركز النقاشات على قضايا
عامة مثل الحوار الاجتماعي والزيادات في الأجور في القطاع المهيكل، بينما تبقى
العاملات في الحقول خارج دائرة الأولويات، رغم أنهن الأكثر تعرضاً للاستغلال،
والأقل استفادة من أي مكتسبات اجتماعية أو نقابية، وهو ما يطرح سؤالاً حاداً حول
جدية تمثيلية النقابات حين يتعلق الأمر بالعمل غير المهيكل أو العمل الفلاحي
الموسمي.
في الجانب
الحكومي، يبدو أن التعامل مع هذه الفئة يتم في إطار سياسات مجزأة وغير كافية، حيث
يتم التركيز أحياناً على برامج محدودة لا تصل إلى عمق الإشكال، بينما يستمر الواقع
اليومي على حاله، من غياب التأمين الصحي، وضعف المراقبة في الضيعات الفلاحية
الكبرى، واستمرار تشغيل النساء في ظروف لا تحترم الحد الأدنى من معايير الكرامة
الإنسانية، وهو ما يجعل الفجوة تتسع بين الخطاب الرسمي حول التنمية الاجتماعية
وبين الواقع الميداني الذي يكشف أن جزءاً كبيراً من النساء العاملات في الحقول ما
زلن خارج مظلة الحماية الحقيقية.
الأكثر
إيلاماً أن هذا التهميش لا يتعلق فقط بالجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد
الاجتماعي والإنساني، حيث تعيش العديد من العاملات في الحقول وضعاً اجتماعياً
هشاً، يجمع بين ضعف الدخل وغياب الاستقرار وغياب الاعتراف المجتمعي بدورهن، رغم
أنهن يساهمن بشكل مباشر في الأمن الغذائي وفي سلاسل الإنتاج الزراعي التي يعتمد
عليها السوق المحلي والتصدير على حد سواء، ومع ذلك يظل حضورهن في السياسات
العمومية حضوراً باهتاً لا يعكس حجم هذا الدور الحيوي.
أما النقابات،
فرغم رفعها لشعارات الدفاع عن الطبقة العاملة، إلا أن جزءاً كبيراً من خطابها في
فاتح ماي يبقى موجهاً نحو القطاعات المنظمة والوظيفة العمومية، بينما يظل قطاع
العاملات في الحقول في الهامش، دون برامج ضغط قوية أو ترافع ميداني مستمر يضع هذه
الفئة في قلب النقاش الاجتماعي، وهو ما يخلق نوعاً من القطيعة بين الخطاب النقابي
والواقع الفعلي لآلاف النساء اللواتي يشتغلن خارج أي إطار تنظيمي أو حماية
مؤسساتية.
هذا الصمت
المتكرر، سواء من طرف بعض الفاعلين الحكوميين أو النقابيين، يعمق الإحساس بأن
النساء العاملات في الحقول لسن فقط في الهامش الاقتصادي، بل أيضاً في الهامش السياسي
والاجتماعي، حيث يتم تذكرهن فقط عند وقوع حوادث مأساوية أو تقارير حقوقية، ثم تعود
قضيتهن إلى التراجع في سلم الأولويات، وكأن المعاناة اليومية أصبحت جزءاً من
العادي والمألوف.
إن جوهر
الأزمة لا يكمن فقط في ضعف القوانين، بل في ضعف تفعيلها وفي غياب إرادة سياسية
ونقابية جادة لإعادة الاعتبار لهذه الفئة، من خلال ضمان نقل آمن، وأجور عادلة،
وتغطية صحية، وظروف عمل إنسانية داخل الحقول، لأن استمرار الوضع الحالي يعني
ببساطة إعادة إنتاج نفس دائرة الهشاشة عاماً بعد عام، رغم كل الخطابات التي تتحدث
عن العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
يبقى السؤال
الحقيقي الذي تطرحه النساء العاملات في الحقول بصمت قاسٍ لا يصل إلى المنصات
الرسمية، هو كيف يمكن الحديث عن كرامة الشغل في حين أن جزءاً كبيراً من العاملات
ما زلن يشتغلن في ظروف أقرب إلى الهشاشة المطلقة، خارج الضوء، وخارج الإنصاف،
وخارج الاعتراف الحقيقي بدورهن في بناء الاقتصاد الفلاحي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك