أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
كشفت الأرقام الرسمية المتعلقة بالوضعية الخارجية للاقتصاد المغربي عن اتساع الفارق بين الأصول التي يمتلكها المقيمون المغاربة في الخارج، والالتزامات المالية والاستثمارية التي يمتلكها غير المقيمين داخل المملكة، بعدما بلغ صافي الوضعية الخارجية المدينة نحو 791.8 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، مسجلاً زيادة قدرها 81.1 مليار درهم خلال عام واحد. ويعيد هذا التطور طرح أسئلة جوهرية حول توازن الاستثمارات بين الداخل والخارج، وقدرة الاقتصاد الوطني على تنمية أصوله الخارجية بالتوازي مع استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
وبحسب التقرير السنوي لمكتب الصرف حول ميزان الأداءات والوضعية الخارجية الإجمالية للمغرب، ارتفعت هذه الفجوة بنسبة 11.4 في المائة مقارنة بنهاية سنة 2024، عندما استقر رصيدها عند 710.7 مليارات درهم. ولا يتعلق الأمر، من الناحية المحاسبية، بمديونية خارجية مباشرة بهذا الحجم، بل بمؤشر يقيس الفرق بين مجموع الأصول المالية والاقتصادية التي يمتلكها المقيمون المغاربة في الخارج، وبين الأصول التي يمتلكها غير المقيمين داخل الاقتصاد الوطني.
ويكتسب هذا المؤشر أهميته من كونه يقدم صورة عن موقع الاقتصاد المغربي ضمن العلاقات المالية الدولية، إذ يجمع بين الاستثمارات المباشرة في الشركات، وحيازة السندات والأدوات المالية، والقروض وغيرها من الالتزامات، إلى جانب الأصول الاحتياطية والاستثمارات المغربية في الخارج. ومن ثم، فإن ارتفاع الرصيد المدين لا يعني بالضرورة تدهوراً متطابقاً في جميع مكونات الاقتصاد، لكنه يكشف عن اتساع الفارق بين ما يملكه المغرب خارج حدوده وما يمتلكه المستثمرون الأجانب داخله.
ويبرز الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره أحد أبرز العوامل التي ساهمت في اتساع هذه الفجوة، بعدما ارتفع رصيده القائم داخل المغرب بنسبة 16 في المائة خلال سنة 2025، ليصل إلى 756.9 مليار درهم. ويتوزع هذا الرصيد بين 650.7 مليار درهم في شكل مساهمات في رؤوس أموال الشركات وحصص صناديق الاستثمار، و106.2 مليارات درهم في شكل أدوات دين، بما يعكس تنامي الحضور المالي للمستثمرين غير المقيمين في النسيج الاقتصادي الوطني.
وفي المقابل، لم تتجاوز زيادة رصيد الاستثمارات المغربية المباشرة في الخارج 3.3 في المائة، ليستقر عند 112.1 مليار درهم، موزعة بين 77.4 مليار درهم من المساهمات في الشركات وصناديق الاستثمار، و34.7 مليار درهم من أدوات الدين. ويكشف التفاوت بين وتيرة نمو الاستثمارات الأجنبية داخل المملكة والاستثمارات المغربية خارجها عن عدم تكافؤ واضح في تطور الجانبين، وإن كان تفسير هذا الفارق يتطلب أيضاً النظر إلى حجم الاقتصاد الوطني، وطبيعة المشاريع المنجزة، ودرجة انفتاح الشركات المغربية على الأسواق الخارجية.
وتتعمق الصورة أكثر عند الانتقال إلى سوق السندات، حيث ارتفعت حيازة المستثمرين غير المقيمين للسندات المغربية إلى 197.9 مليار درهم، بزيادة بلغت 29.9 مليار درهم خلال سنة واحدة. وفي الاتجاه المقابل، لم تتجاوز حيازة المقيمين في المغرب للسندات الأجنبية 26.1 مليار درهم، رغم تسجيلها زيادة قدرها 2.7 مليار درهم. وتوضح هذه الأرقام اتساع الفارق بين حجم استثمارات الطرفين في هذه الفئة من الأصول المالية، بما يجعل السوق المغربية أكثر ارتباطاً بمراكز الاستثمار والتمويل الخارجية.
غير أن قراءة هذه المعطيات لا ينبغي أن تنتهي إلى اعتبار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية مؤشراً سلبياً في حد ذاته. فالاستثمار الأجنبي يمكن أن يوفر التمويل اللازم لإنشاء المشاريع وتوسيع الوحدات الصناعية والخدماتية، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الصادرات. كما أن دخول مستثمرين جدد إلى الاقتصاد الوطني قد يساهم في توسيع القاعدة الإنتاجية وتطوير قطاعات لا تستطيع الموارد المحلية وحدها تمويل توسعها بالوتيرة المطلوبة.
لكن الأثر النهائي لهذه الاستثمارات يظل مرتبطاً بطبيعتها وبكيفية توظيفها. فالمشاريع التي ترفع الإنتاجية وتخلق وظائف مستقرة وتزيد القيمة المضافة المحلية تختلف في أثرها عن استثمارات يتركز مردودها أساساً في اقتناء الأصول القائمة أو في أنشطة محدودة الارتباط بباقي مكونات الاقتصاد. كما أن حجم الأرباح المعاد استثمارها داخل المغرب، مقارنة بتلك التي يجري تحويلها إلى الخارج، يشكل عنصراً أساسياً في تقييم العائد الاقتصادي طويل الأمد للاستثمار الأجنبي.
وفي مقابل الضغوط التي ساهمت في توسيع الرصيد المدين، سجلت الأصول الاحتياطية للمغرب ارتفاعاً بقيمة 67.4 مليار درهم، وهو تطور ساعد على الحد من اتساع الفجوة الخارجية. وتؤدي هذه الاحتياطيات دوراً مهماً في دعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، وتغطية حاجيات الأداءات، وتعزيز الثقة في استقراره المالي. غير أن نموها، رغم أهميته، لا يلغي ضرورة متابعة بقية مكونات الوضعية الخارجية، ولا سيما الالتزامات المرتبطة بالاستثمارات المباشرة وحيازة السندات.
ومن الضروري هنا التمييز بين صافي الوضعية الخارجية المدينة والدين الخارجي بالمعنى المتداول. فالمبلغ البالغ 791.8 مليار درهم لا يمثل فاتورة يتعين على المغرب سدادها دفعة واحدة، لأن جزءاً مهماً من الالتزامات يتكون من مساهمات أجنبية في رؤوس أموال الشركات، وهي أصول استثمارية لا تخضع لشروط السداد نفسها التي تنطبق على القروض. وتختلف آثار هذه المكونات أيضاً بحسب آجالها وطبيعتها ومردوديتها، ما يجعل تقييم المخاطر الخارجية مرتبطاً بالتفاصيل وليس بحجم الرصيد الإجمالي وحده.
ومع ذلك، فإن استمرار نمو الأصول الأجنبية داخل المغرب بوتيرة تفوق نمو الاستثمارات المغربية في الخارج يطرح تحدياً يتعلق بقدرة الشركات الوطنية على التوسع خارج الحدود، وبمدى مساهمة الاقتصاد المحلي في بناء أصول مالية وإنتاجية دولية. فتعزيز الحضور الاستثماري المغربي بالخارج يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة أمام المقاولات الوطنية، ويساعد على تنويع مصادر الدخل، ويوسع شبكة الشراكات التجارية، شريطة أن يستند إلى استثمارات منتجة وقادرة على تحقيق عوائد مستدامة.
كما يفرض هذا التطور الاهتمام بجودة تدفقات الاستثمار الأجنبي، لا بحجمها فقط، من خلال تعزيز اندماج المشاريع في سلاسل الإنتاج المحلية، وتطوير قدرات الموردين المغاربة، وتشجيع البحث والتكوين ونقل التكنولوجيا، ورفع مساهمة الاستثمارات في الصادرات والتشغيل. فكلما اتسعت الروابط بين رأس المال الأجنبي والاقتصاد المحلي، زادت فرص تحويل التمويل الخارجي إلى قيمة مضافة وفرص اقتصادية مستدامة.
وكشفت حصيلة سنة 2025، في المحصلة، عن اقتصاد مغربي يواصل جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال من الخارج، لكنه يسجل في الوقت نفسه اتساع الفارق بين الأصول الخارجية للمقيمين المغاربة والالتزامات تجاه غير المقيمين. ولا يكمن التحدي في تقليص الاستثمار الأجنبي أو التعامل معه باعتباره عبئاً، بل في تحقيق توازن أكثر متانة بين استقطاب التمويل الخارجي وتنمية القدرات الاستثمارية الوطنية، وضمان أن ينعكس حضور رؤوس الأموال الأجنبية على الإنتاج والتشغيل والصادرات.
وبذلك، تتحول الوضعية الخارجية الصافية إلى مؤشر يستدعي قراءة تتجاوز الرقم الإجمالي، نحو فحص نوعية الاستثمارات ومردوديتها، وحجم الأرباح المعاد توظيفها محلياً، وقدرة المقاولات المغربية على بناء حضور دولي أكبر. فالمعيار الاقتصادي الحاسم ليس فقط مقدار ما يستثمره الخارج داخل المغرب، بل أيضاً ما يستطيع الاقتصاد الوطني إنتاجه وامتلاكه وتطويره داخل حدوده وخارجها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك