أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء
يتصاعد الجدل في المغرب حول إقصاء
المقاولات الصغرى جدًا والصغرى والمتوسطة من جولات الحوار الاجتماعي، في وقت تعتبر
فيه هذه الفئة العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، حيث تمثل الغالبية الساحقة
من عدد المقاولات، وهو ما جعل هذا الإقصاء يثير موجة استياء متنامية داخل أوساط
المهنيين الذين يرون في ذلك تهميشًا غير مبرر لصوتهم داخل دوائر القرار.
الشبكة المغربية للمقاولات الصغرى
عبرت عن رفضها الصريح لهذا الوضع، معتبرة أن تغييبها عن طاولة الحوار لا ينسجم مع
مبادئ التمثيلية ولا يعكس واقع الاقتصاد المغربي، حيث تلعب هذه المقاولات دورًا
محوريًا في خلق فرص الشغل وتحريك عجلة الإنتاج، ما يجعل إقصاءها ضربًا لفكرة
التوازن داخل الحوار الاجتماعي.
المهنيون يرون أن هذا الإقصاء لا يمكن
فصله عن اختلالات أعمق في طريقة تدبير الحوار الاجتماعي، حيث يتم التركيز على الفاعلين
الكبار على حساب الفئات التي تواجه التحديات اليومية الأكثر تعقيدًا، خاصة في ظل
سياق اقتصادي صعب يتسم بارتفاع التكاليف وضعف هامش الربح.
هذا الوضع يضع الحكومة أمام انتقادات
متزايدة، إذ يتهمها البعض بعدم اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف مكونات
النسيج الاقتصادي، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج غير متوازنة في أي اتفاق يتم التوصل
إليه داخل إطار الحوار الاجتماعي.
المقاولات الصغرى تؤكد أنها ليست مجرد
فاعل هامشي، بل تشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني، حيث تساهم بشكل كبير في
تشغيل اليد العاملة، خاصة في القطاعات غير المهيكلة وشبه المهيكلة، وهو ما يجعل
تغييبها عن النقاشات الكبرى مسألة تثير أكثر من علامة استفهام.
في ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات
إلى إعادة النظر في معايير التمثيلية داخل الحوار الاجتماعي، بما يضمن حضورًا
فعليًا لكل الفاعلين، ويعكس التنوع الحقيقي للنسيج الاقتصادي، بدل الاكتفاء
بتمثيلية تقليدية قد لا تعبر عن الواقع بشكل دقيق.
الاحتقان داخل هذه الفئة من المقاولات
لا يرتبط فقط بالإقصاء، بل أيضًا بتراكم مجموعة من الإكراهات، من بينها صعوبة
الولوج إلى التمويل وارتفاع الضرائب وتزايد كلفة الإنتاج، وهو ما يجعلها في حاجة
ماسة إلى صوت قوي يدافع عن مصالحها داخل مؤسسات الحوار.
كما أن هذا الإقصاء قد تكون له
انعكاسات سلبية على مناخ الثقة، حيث يشعر عدد من الفاعلين الاقتصاديين بأنهم خارج
دائرة الاهتمام، وهو ما قد يؤثر على مستوى انخراطهم في السياسات العمومية ويضعف
دينامية الاستثمار.
الخبراء الاقتصاديون يحذرون من أن أي
حوار اجتماعي لا يشمل جميع الأطراف المعنية يظل ناقصًا، وقد يؤدي إلى حلول جزئية
لا تعالج جذور المشاكل، بل قد تعمقها في بعض الأحيان، خاصة إذا تم تجاهل فئة واسعة
تمثل قاعدة الاقتصاد.
في المقابل، ترى بعض الأطراف أن توسيع
دائرة المشاركين في الحوار قد يزيد من تعقيد المفاوضات، غير أن هذا الطرح يواجه
بانتقادات قوية تؤكد أن التعقيد أفضل من الإقصاء، لأن الحلول الشاملة تظل أكثر
استدامة وعدالة.
المقاولات الصغرى تطالب بإدماجها بشكل
رسمي داخل آليات الحوار، مع ضمان تمثيلية حقيقية تمكنها من التعبير عن مشاكلها
واقتراح حلول عملية، بدل الاكتفاء بدور المتفرج على قرارات تؤثر بشكل مباشر على
مستقبلها.
الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتمثيلية
هذه الفئة، بل بمصداقية الحوار الاجتماعي ككل، حيث أن غياب فاعل رئيسي يطرح
تساؤلات حول مدى شمولية هذا المسار وقدرته على إنتاج توافقات حقيقية.
الملف يأخذ أبعادًا اجتماعية أيضًا،
لأن أي قرار يتعلق بالمقاولات الصغرى ينعكس بشكل مباشر على العمال الذين يشتغلون
داخلها، ما يجعل هذا الإقصاء لا يهم فقط أرباب العمل، بل يمتد تأثيره إلى شريحة
واسعة من المجتمع.
في هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى
اعتماد إصلاحات عميقة في بنية الحوار الاجتماعي، بما يضمن العدالة في التمثيل
ويعزز من فعالية هذا الإطار كآلية لتدبير التوترات الاقتصادية والاجتماعية.
المستقبل القريب سيكشف ما إذا كانت
الحكومة ستستجيب لهذه المطالب، خاصة في ظل الضغط المتزايد من طرف الفاعلين
الاقتصاديين، الذين لم يعودوا يقبلون بالتهميش أو الإقصاء من دوائر صنع القرار.
في النهاية، يبقى التحدي الأكبر هو
بناء حوار اجتماعي يعكس فعليًا واقع المغرب الاقتصادي والاجتماعي، ويضمن مشاركة
جميع الفاعلين دون استثناء، لأن أي إقصاء قد يكلف أكثر مما يوفره من سهولة في
التدبير.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك