أتتلجنسيا:لبنى مطرفي
رغم الخطاب الرسمي الذي يروّج لصمود النسيج الإنتاجي، تكشف الأرقام الحديثة عن واقع أكثر قتامة، عنوانه ارتفاع مقلق في عدد المقاولات التي أوقفت نشاطها بالمغرب بنسبة بلغت 6 في المائة خلال سنة 2024، في مؤشر واضح على عمق الهشاشة التي تضرب الاقتصاد الحقيقي، خاصة في صفوف المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة.
هذا المعطى الصادم جاء على لسان المديرة التنفيذية للمرصد المغربي للمقاولة الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة، أمل الإدريسي، خلال ندوة صحفية انعقدت اليوم الأربعاء بالدار البيضاء، خُصصت لتقديم النسخة السادسة من التقرير السنوي للمرصد. ورغم تأكيدها أن النسيج الإنتاجي ما زال “صامدا”، فإن واقع الأرقام يفضح اختلالات بنيوية ومجالية وقطاعية مزمنة لم تفلح السياسات العمومية في معالجتها.
وبحسب المعطيات المقدمة، يضم المغرب أزيد من 380 ألف مقاولة معنوية سنة 2024، مسجلا نموا محدودا لا يتجاوز 1,3 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وهو ارتفاع وُصف بالضعيف بالنظر إلى حجم الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية. هذا النمو، الذي تقوده أساسا المقاولات الصغيرة، لم يمنع استمرار تمركز أكثر من نصف المقاولات بمحور طنجة–الجديدة، ما يعكس اختلالا مجاليا صارخا يكرّس الفوارق بين الجهات.
غير أن المؤشر الأخطر في التقرير يتمثل في تصاعد حالات التوقف عن النشاط، والتي طالت بالأساس مقاولات حديثة العهد لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، ما يكشف فشل منظومة المواكبة بعد مرحلة الإحداث، ويطرح أسئلة محرجة حول جدوى برامج الدعم والتحفيز التي تُعلن دون أن تحمي المقاولات من السقوط السريع.
اقتصاديا، ورغم تسجيل نمو في رقم المعاملات والصادرات والقيمة المضافة، فإن هذا التحسن يظل محدود الأثر، إذ تقوده قطاعات بعينها، على رأسها الصناعة التحويلية، وخاصة صناعات السيارات والكيمياء، في حين تبقى قطاعات واسعة خارج دائرة الانتعاش، ما يعمّق الفجوة داخل النسيج الإنتاجي نفسه.
وعلى مستوى التشغيل، تستمر المقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة في لعب دور المشغل الرئيسي، غير أن مشاركة النساء تظل ضعيفة، سواء من حيث فرص الشغل أو من حيث تسيير المقاولات، في تناقض صارخ مع الخطابات الرسمية حول الإدماج والمساواة الاقتصادية.
أما التمويل، فرغم الحديث عن تحسن نسبي في الولوج إلى القروض البنكية، فإن الأرقام تبرز استمرار التفاوت، حيث لا تتجاوز حصة المقاولات الصغرى جدا 20 في المائة من إجمالي القروض، والمقاولات الصغرى والمتوسطة 21 في المائة، مقابل هيمنة واضحة للمقاولات الكبرى التي تستحوذ على 60 في المائة، ما يعمق اختلال ميزان الدعم داخل الاقتصاد الوطني.
ويؤكد التقرير السنوي للمرصد، في نسخته السادسة، أن النسيج الإنتاجي المغربي يوجد عند مفترق طرق، بين مؤشرات انتعاش ظرفي في بعض الأنشطة غير الفلاحية، وواقع هشاشة بنيوية تُترجم يوميا بإفلاس وتوقف آلاف المقاولات. وبين أرقام “الصمود” الرسمية وواقع التوقف المتسارع، يبرز سؤال جوهري: إلى متى يستمر إنقاذ الخطاب وتُترك المقاولة الصغيرة وحدها في مواجهة الانهيار؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك