أنتلجنسيا:أبو جاسر
وضعت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، تحسين القدرة الشرائية وتعزيز الحماية الاجتماعية وإصلاح الخدمات العمومية في صدارة أولويات البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، معلنة التوجه نحو رفع الدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، إلى جانب إطلاق إصلاح شامل لمنظومة التقاعد ورفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027.
وخلال عرض البرنامج أمام جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان، اليوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري، اعتبرت المنصوري أن نتائج الانتخابات تعكس نضج التجربة الديمقراطية المغربية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، مؤكدة أن المواطنين ينتظرون إجراءات ملموسة لحماية قدرتهم الشرائية، وتوسيع فرص الشباب، وتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان الأمن المائي والطاقي والغذائي.
وشددت رئيسة الحكومة على أن مسؤولية الأغلبية تتمثل في تحويل هذه الانتظارات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، مع الالتزام بالإنصات للمواطنين وتوضيح الإمكانات والإكراهات. وأقرت بأن ثمار الإصلاحات والمشاريع الكبرى التي أنجزها المغرب لم تنعكس بالقدر نفسه على مختلف الفئات والمناطق، وهو ما يجعل التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية تحديات أساسية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وأوضحت أن المرحلة الجديدة تستدعي الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن التركيز على حجم الاستثمار إلى قياس مردوديته، ومن تعدد البرامج إلى ضمان تكاملها وانعكاسها المباشر على حياة المواطنين. كما أبرزت أن التوترات الجيوسياسية والتحولات التجارية والرقمية، إلى جانب تداعيات التغير المناخي، تفرض تحديات إضافية على الاقتصاد الوطني، رغم ما يتوفر عليه المغرب من مؤهلات صناعية وبنيات أساسية وموقع استراتيجي يؤهله لاستقطاب الاستثمارات وتوسيع صادراته.
وينتظم البرنامج الحكومي، وفق المنصوري، حول سبع أولويات تشمل ترسيخ دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية المغربية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية، وتوسيع الإشعاع الدولي للمملكة، وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح التنموي.
وفي مواجهة غلاء المعيشة، تعهدت الحكومة باتخاذ تدابير لتعزيز دخل الأسر وضبط أسباب ارتفاع الأسعار، مع إعداد خطط لتأمين تموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية وتقريب المنتجين من المستهلكين عبر شركات جهوية وتنظيمات مهنية للجمع والتسويق. وتشمل الإجراءات المرتقبة أيضا إصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك وتنظيم العلاقة بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية وفق قواعد واضحة ومستقرة.
كما أعلنت المنصوري إقرار تعويض اجتماعي تلقائي لفائدة الأسر المستحقة يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم بالنسبة إلى المسكن الرئيسي، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إلى الإدارات. وتعهدت كذلك بإطلاق إصلاحات تدريجية للضريبة على الدخل بهدف رفع صافي أجور العاملين وتشجيع التشغيل المصرح به، بالتوازي مع مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية وتحسين فعالية التغطية الصحية.
وفي ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، أكدت رئيسة الحكومة أن الحكومة تستهدف الرفع التدريجي من قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع إعادة توجيه الاستفادة على أساس الدخل الفعلي للأسر، وتوسيع نطاق الإدماج الاجتماعي وتعزيز التعويض عن فقدان الشغل.
ويحتل إصلاح أنظمة التقاعد مكانة بارزة ضمن الالتزامات الحكومية، إذ أعلنت المنصوري إطلاق ورش شامل لهذا الملف بتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، مشددة على أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على رفع سن التقاعد أو مراجعة نسب الاشتراك أو تغيير طريقة احتساب المعاشات، بل يتعين أن يضمن كفاية المعاشات واستدامة تمويلها وتوسيع الحماية لتشمل الفئات غير المستفيدة حاليا.
وفي هذا الإطار، تعهدت الحكومة بالرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات بمختلف الأنظمة، والعمل على تمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الأصلي للزوج المتوفى، بدلا من 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق. وأكدت المنصوري أن إنجاح هذا الورش يقتضي حوارا اجتماعيا واضح المراحل والأهداف والتمويلات، مع صون الحقوق والمكتسبات خلال الانتقال إلى المنظومة الجديدة.
ومن جهة أخرى، جعل البرنامج قضايا الشباب محورا مشتركا لمختلف السياسات الحكومية، من خلال استراتيجية وطنية مندمجة تستهدف تعزيز مشاركتهم السياسية والمؤسساتية، وتحسين جودة التعليم والتوجيه والتكوين المهني، وتيسير ولوجهم إلى الفرص الاقتصادية. وتشمل التوجهات المعلنة أيضا دعم الفلاحين الشباب وإدماجهم في المشاريع الكبرى والأوراش المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030.
وعلى مستوى دولة الحق والقانون، التزمت المنصوري بتعزيز الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والحريات، معتبرة أن استعادة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي تتطلب حضورا مؤسساتيا فعالا، وانفتاحا على المقترحات البناءة للمعارضة، وتوسيع المشاركة المواطنة. كما تعهدت بإجراء إصلاحات تشريعية ومؤسساتية لتعزيز إدماج حقوق الإنسان في السياسات العمومية وضمان ممارسة الحقوق والحريات.
وفي ملف المرأة، أعلنت الحكومة مواصلة جهود التمكين الاقتصادي وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، عبر دعم الشغل اللائق والمبادرات الاقتصادية والاستقلالية المالية، ومحاربة العنف وضمان الحماية، وتوسيع مشاركة النساء في مراكز القرار، وتحسين ولوجهن إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، خصوصا في الوسط القروي.
أما على المستوى الترابي، فأكدت المنصوري التوجه نحو رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، في إطار تعزيز استقلاليتها المالية وتحسين قدرتها على تنفيذ المشاريع التنموية. ويرتبط هذا التوجه بمواصلة تفعيل القانون التنظيمي للجهات، وإعادة تنظيم الاختصاصات وفق معايير الوضوح والنجاعة، وتعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات، وتسريع ورش اللاتمركز الإداري.
وفي سياق محاربة الفساد والريع، شددت رئيسة الحكومة على أن استعادة الثقة تقتضي مواجهة فعلية للفساد وتضارب المصالح، معلنة عزم الحكومة استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، بما يشمل تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وفق الفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات.
وأكدت المنصوري، في عرضها، أن تنفيذ الالتزامات الحكومية سيخضع لمنطق التدرج والواقعية واستدامة المالية العمومية، مع التركيز على تحويل الاستثمارات إلى فرص عمل وتحسين ملموس للخدمات والإنصاف المجالي.
وعلى صعيد الثوابت الوطنية، جددت رئيسة الحكومة تأكيد التزام البرنامج بالمرتكزات الدستورية للمملكة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي السمح والملكية الدستورية البرلمانية الديمقراطية والاجتماعية والوحدة الوطنية والترابية والاختيار الديمقراطي، مع صيانة التعدد الثقافي واللغوي والحقوق والحريات. كما شددت على ثبات موقف المغرب من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، ودعمه حل الدولتين لتحقيق سلام عادل ودائم.
وفي ما يخص تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، أعلنت المنصوري إحداث صندوق خاص باعتمادات تبلغ ملياري درهم، إلى جانب لجنة وزارية دائمة لدى رئاسة الحكومة لتتبع إدماج اللغة الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتشغيل العمومي، مع نشر مؤشرات التغطية في تقرير سنوي. وتضمن البرنامج أيضا التزامات بحماية المعطيات الشخصية، وتبسيط مساطر الترخيص للجمعيات، وتفعيل الحق في الحصول على المعلومة، وتجديد الشراكة مع المجتمع المدني.
واختتمت رئيسة الحكومة عرض توجهاتها بالتأكيد على مواصلة إصلاح مدونة الأسرة وفق التوجيهات الملكية، واعتماد سياسات مندمجة لحماية الأطفال والشباب والمسنين والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب صون التراث وتوسيع الولوج إلى الثقافة وتحقيق الإنصاف المجالي، فضلا عن تطوير سياسة دامجة لمغاربة العالم تعزز مشاركتهم المواطنة وتستجيب لحاجياتهم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك