أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
تتواصل
التجاذبات السياسية في المغرب مع دخول مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة دقيقة،
وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه المفاوضات بين مكونات الأغلبية بشأن عدد الوزراء
وتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة
الأحزاب المشاركة على تجاوز حساباتها التنظيمية والسياسية لصالح تشكيل فريق حكومي
منسجم وقادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فالمسألة لم تعد مرتبطة
فقط بتوزيع المسؤوليات بين الأحزاب، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة الحكومة المقبلة
على تقديم إجابات عملية عن الملفات التي تؤرق المواطنين، من غلاء المعيشة وأزمة
السكن إلى البطالة وإصلاح التعليم والصحة وتحسين الخدمات العمومية.
وتزداد أهمية
هذه المشاورات بالنظر إلى تعدد الأحزاب المشاركة في الأغلبية الجديدة واختلاف
حساباتها بشأن حجم تمثيلها داخل الحكومة وطبيعة القطاعات التي تطمح إلى الإشراف
عليها، إذ تمثل الحقائب الوزارية ذات الصلة بالاقتصاد والمالية والاستثمار
والتجهيز والقطاعات الاجتماعية مواقع مهمة في تحديد الأولويات الحكومية وتوجيه
السياسات العمومية، وهو ما يجعل المفاوضات بشأن توزيعها محط اهتمام المتابعين
للشأن السياسي، غير أن الحديث عن صراعات حاسمة أو خلافات وصلت إلى طريق مسدود يظل
بحاجة إلى معطيات مؤكدة، لأن التفاوض على المناصب جزء مألوف من تشكيل الحكومات
الائتلافية، ويظل الاختبار الحقيقي في قدرة الأحزاب على التوصل إلى صيغة تحقق
الانسجام وتضع الكفاءة والخبرة والنزاهة في مقدمة معايير الاختيار.
وفي خضم هذه
التطورات، أثار الاستقبال الملكي الثاني لفاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة
الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة، اهتماماً واسعاً في الأوساط المتتبعة
للشأن السياسي الوطني ونظيره الدولي، خصوصاً أن اللقاء جاء في مرحلة تتواصل فيها
المشاورات بشأن هندسة الحكومة وتحديد ملامحها النهائية، وقد تناول الاستقبال الذي
جرى بالقصر الملكي بالرباط يوم 14 أكتوبر مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل
الحكومة، مع التأكيد على ضرورة التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول
بالنظر إلى حجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وهو ما فتح المجال أمام تساؤلات
بشأن طبيعة المرحلة المقبلة ومدى أهمية استكمال المشاورات في أفق تشكيل فريق حكومي
قادر على تحمل المسؤولية.
ويطرح هذا الاستقبال تساؤلات مشروعة لدى المتابعين، من بينها ما إذا كانت المرحلة الحالية تقتضي مزيداً من التدقيق في التشكيلة الحكومية المرتقبة، وكيف ستتم الموازنة بين التمثيلية الحزبية والاستجابة لمتطلبات الكفاءة والخبرة والتخصص، وهل ستنجح رئيسة الحكومة المكلفة في تشكيل فريق يجمع بين الانسجام السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ الإصلاحات، أم أن حسابات توزيع الحقائب ستفرض تنازلات قد تؤثر في طبيعة بعض الاختيارات.
ومع ذلك لا يمكن اعتبار الاستقبال الملكي الثاني دليلاً بحد
ذاته على وجود خلافات أو تعثر في المشاورات، إذ إن البلاغ الرسمي أوضح أن اللقاء
يندرج ضمن الصلاحيات الدستورية وحرص المؤسسة الملكية على ضمان حسن سير المؤسسات،
بينما تظل تفاصيل المداولات غير المعلنة غير قابلة للجزم أو التأويل دون معطيات
موثوقة.
ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على الساحة السياسية المغربية هو ما إذا كانت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ستنجح في تقديم نموذج حكومي قوي بكفاءات عالية، قادر على تجاوز منطق المحاصصة الحزبية وإعطاء الأولوية للاستحقاق والقدرة على الإنجاز، فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرته على الادخار وصعوبة الحصول على فرص عمل مستقرة لا ينتظر مجرد إعلان أسماء الوزراء أو توزيع القطاعات.
بل ينتظر سياسات
واضحة ونتائج ملموسة في حياته اليومية، كما أن نجاح الحكومة لن يقاس بعدد الوزراء
أو الانتماءات الحزبية وحدها، وإنما بمدى قدرتها على تحسين الخدمات العمومية
وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتخفيف الأعباء عن الأسر، وهو ما يجعل الأنظار
متجهة إلى التشكيلة النهائية والبرنامج الحكومي، باعتبارهما أول اختبار حقيقي لمدى
قدرة الأغلبية الجديدة على تحويل الوعود السياسية إلى إنجازات يشعر المواطن بأثرها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك