أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى
العاصمة الصينية بكين في زيارة سياسية ودبلوماسية وُصفت بأنها واحدة من أكثر
الزيارات حساسية في المرحلة الحالية، بالنظر إلى الملفات الثقيلة المطروحة للنقاش
بين الولايات المتحدة والصين، وعلى رأسها التصعيد المرتبط بإيران، والحرب
الاقتصادية العالمية، ومستقبل النفوذ الأمريكي في آسيا والشرق الأوسط، غير أن ما
أثار الانتباه أكثر من مضمون الزيارة نفسها، كان الشكل البروتوكولي الذي استُقبل
به ترامب فور وصوله إلى الأراضي الصينية، بعدما غاب الرئيس الصيني شي جين بينغ عن
مراسم الاستقبال الرسمية، وأوكل المهمة إلى نائب الرئيس الصيني هان تشنغ الذي كان
في مقدمة مستقبلي الوفد الأمريكي.
هذا المشهد أثار عاصفة سياسية
وإعلامية واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث اعتبر عدد من المراقبين أن عدم
حضور شي جين بينغ لاستقبال ترامب يحمل رسائل سياسية عميقة تتجاوز الأعراف
الدبلوماسية التقليدية. فالصين التي أصبحت اليوم ثاني أكبر قوة اقتصادية في
العالم، لم تعد تتعامل مع الولايات المتحدة بعقلية الدولة الخاضعة للهيمنة
الغربية، بل بمنطق القوة الندّية التي تفرض قواعدها الخاصة في العلاقات الدولية.
لذلك رأى كثيرون أن استقبال ترامب من طرف نائب الرئيس فقط يعكس تغيرًا حقيقيًا في
ميزان القوة العالمي، ورسالة واضحة بأن بكين لم تعد ترى واشنطن القوة المطلقة التي
ترتجف أمامها العواصم كما كان الحال لعقود طويلة.
ترامب الذي نزل من الطائرة محاطًا
بوفد أمريكي كبير يضم مسؤولين سياسيين وأمنيين واقتصاديين ومستشارين بارزين، حاول
الحفاظ على صورة الثقة المعتادة، لكن وسائل الإعلام العالمية ركزت بشكل كبير على
غياب الرئيس الصيني عن مراسم الاستقبال. وقد بدا واضحًا أن بكين أرادت التعامل مع
الزيارة ببرودة سياسية محسوبة، خصوصًا في ظل التوترات المتراكمة بين البلدين خلال
السنوات الأخيرة، سواء في ما يتعلق بالحرب التجارية أو العقوبات التكنولوجية أو
ملف تايوان أو الصراع على النفوذ في المحيط الهادئ.
ويرى محللون أن الصين أرادت من خلال
هذا الاستقبال المحدود أن تؤكد للعالم أن مرحلة الخضوع للهيمنة الأمريكية قد
انتهت، وأن بكين باتت تملك من القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية ما يسمح لها
بالتعامل مع واشنطن من موقع الندّية الكاملة. فقبل سنوات قليلة فقط، كان أي رئيس
أمريكي يُستقبل في معظم دول العالم بأعلى درجات الحفاوة السياسية والبروتوكولية،
أما اليوم فإن المشهد تغير بشكل واضح، وأصبحت قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا
تتصرف بثقة أكبر في مواجهة النفوذ الأمريكي.
أهمية الزيارة لا ترتبط فقط بالرمزية
السياسية، بل أيضًا بطبيعة الملفات الساخنة المطروحة على طاولة النقاش. فالتصعيد
المتزايد حول إيران واحتمال توسع الحرب في الشرق الأوسط يشكل أحد أخطر التحديات
الحالية بالنسبة للإدارة الأمريكية. واشنطن تدرك جيدًا أن الصين أصبحت لاعبًا
أساسيًا في المعادلة الإيرانية، سواء من خلال العلاقات الاقتصادية القوية مع طهران
أو عبر النفوذ السياسي الذي راكمته بكين في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا السبب يسعى ترامب إلى الحصول
على دعم أو على الأقل تفهم صيني في ما يتعلق بالملف الإيراني، خاصة مع المخاوف
المتزايدة من اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى انفجار أسعار النفط وتهديد
الاقتصاد العالمي بالكامل. الصين من جهتها لا تريد حربًا شاملة في المنطقة لأنها
تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج، كما أنها تدرك أن أي فوضى
كبرى قد تؤثر على مشاريعها الاقتصادية العملاقة المرتبطة بطريق الحرير الجديد.
كما ناقش الجانبان ملفات اقتصادية
معقدة تتعلق بالحرب التجارية والتكنولوجيا والرسوم الجمركية والاستثمارات. ترامب
حاول الضغط من أجل تقليص العجز التجاري الأمريكي مع الصين وفتح الأسواق الصينية
بشكل أوسع أمام الشركات الأمريكية، بينما تمسكت بكين بموقفها الرافض لما تعتبره
سياسة ابتزاز اقتصادي أمريكي تهدف إلى عرقلة الصعود الصيني عالميًا.
وفي خلفية هذه الزيارة، يظهر الصراع
الحقيقي بين القوتين على قيادة العالم خلال العقود المقبلة. الولايات المتحدة التي
ظلت لعقود القوة العظمى الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تجد نفسها اليوم أمام
منافس اقتصادي وتكنولوجي وعسكري يزداد قوة سنة بعد أخرى. أما الصين فتعتقد أن
اللحظة التاريخية أصبحت مواتية لإعادة تشكيل النظام العالمي وإنهاء مرحلة الهيمنة
الغربية المطلقة.
الكثير من المتابعين اعتبروا أن مشهد
استقبال ترامب من طرف هان تشنغ بدل شي جين بينغ لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي عابر،
بل صورة رمزية تختصر التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم. فالدول لم تعد
تنظر إلى واشنطن بالخوف نفسه الذي كان يطبع العلاقات الدولية في العقود الماضية،
كما أن موازين القوة الاقتصادية بدأت تتحول تدريجيًا نحو آسيا، خاصة مع التقدم
الصيني المتسارع في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة.
وفي الداخل الأمريكي أيضًا أثارت
الزيارة جدلًا سياسيًا واسعًا، حيث اعتبر خصوم ترامب أن ما جرى يمثل إهانة
دبلوماسية غير مسبوقة تكشف تراجع صورة الولايات المتحدة عالميًا، بينما رأى أنصاره
أن التركيز على مراسم الاستقبال محاولة إعلامية لصرف الانتباه عن الملفات الحقيقية
التي جاءت من أجلها الزيارة.
لكن مهما اختلفت التفسيرات، فإن
المؤكد أن العالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية كبرى تتغير فيها مراكز النفوذ والقوة.
زيارة ترامب إلى بكين لم تكن مجرد لقاء سياسي عادي، بل لحظة تعكس صراعًا عالميًا
مفتوحًا على الاقتصاد والطاقة والنفوذ العسكري والتكنولوجي، في عالم لم تعد فيه
أمريكا القوة الوحيدة التي تفرض شروطها على الجميع دون منازع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك