أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء
رغم الجهود المكثفة التي تبذلها المديرية
العامة للأمن الوطني بقيادة عبد اللطيف
حموشي، وما يرافقها من تدخلات ميدانية يومية وتحديث مستمر في آليات العمل
الأمني، إلا أن المشهد الاجتماعي يكشف عن معادلة أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع العوامل
الاقتصادية والاجتماعية لتنتج بيئة خصبة لنمو الجريمة، في ظل استمرار البطالة
واتساع دائرة الفقر وتراجع الأمل لدى فئات واسعة من الشباب، وهو ما يجعل المقاربة
الأمنية وحدها غير كافية لاحتواء الظاهرة مهما بلغت فعاليتها.
الأرقام المتداولة في التقارير الرسمية تشير إلى تسجيل عشرات
الآلاف من القضايا الجنحية سنويا، مع حضور قوي لجرائم السرقة والاعتداءات المرتبطة
بالعنف الحضري، كما أن نسبة مهمة من هذه الجرائم ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر
باستهلاك المخدرات، خصوصا الأقراص المهلوسة التي تحولت إلى عنصر خطير في معادلة
الانفلات، حيث تساهم في فقدان التوازن السلوكي وتغذية النزعات العدوانية، وهو ما
يجعل المواجهة الأمنية أكثر تعقيدا نظرا لتغير طبيعة الجريمة نفسها.
انتشار ما يعرف بـ"القرقوبي" في عدد من الأحياء
الهامشية لم يعد مجرد ظاهرة معزولة، بل تحول إلى مؤشر مقلق على عمق الأزمة
الاجتماعية، إذ تكشف المعطيات أن نسبا معتبرة من المتورطين في جرائم العنف كانوا
تحت تأثير هذه المواد، وهو ما يضاعف خطورة الفعل الإجرامي ويجعله أكثر اندفاعا
وأقل قابلية للردع التقليدي، في وقت تواصل فيه المصالح الأمنية حجز كميات مهمة من
هذه العقاقير وتفكيك شبكات ترويجها بشكل متواصل.
غير أن جذور المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من الجانب الأمني، حيث
يشكل غياب فرص الشغل وضعف الإدماج الاقتصادي أرضية خصبة لانحراف الشباب نحو مسارات
خطيرة، إذ يجد البعض في الجريمة بديلا سريعا لتحقيق مكاسب مادية في ظل انسداد
الآفاق، بينما يدفع اليأس آخرين إلى الإدمان كوسيلة للهروب من واقع قاس، ما يخلق
حلقة مفرغة تتغذى فيها الجريمة على التهميش، ويتعمق فيها التهميش بفعل الجريمة.
في هذا السياق، تتجلى
المفارقة الصارخة بين نجاعة التدخلات الأمنية التي تنجح في تفكيك الشبكات واعتقال
المتورطين، وبين استمرار تدفق نفس العوامل التي تعيد إنتاج الظاهرة بشكل متواصل،
وهو ما يطرح ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تتجاوز منطق الردع إلى معالجة الجذور، عبر
سياسات اجتماعية واقتصادية تضع الشباب في قلب الأولويات وتعيد بناء الثقة في
المستقبل، لأن الأمن الحقيقي لا يصنع فقط في مراكز الشرطة، بل يبدأ من المدرسة
وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية التي تمنح الإنسان بديلا عن السقوط في هاوية
الجريمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك