أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مؤشر مقلق يعكس تحولات اجتماعية عميقة، كشفت معطيات رسمية حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن المغرب يدخل مرحلة حساسة عنوانها تراجع الإقبال على الزواج وتفكك الروابط الأسرية، وسط ضغوط اقتصادية خانقة وتغيرات قيمية غير مسبوقة.
وأفاد التقرير الذي قدمه شكيب بنموسى أن أكثر من نصف العازبين لم يعودوا يرغبون في الارتباط، بنسبة تصل إلى 52 في المائة، مع تسجيل عزوف أكبر لدى الرجال مقارنة بالنساء، في وقت ارتفع فيه متوسط سن الزواج بشكل لافت، ما يعكس تحولا جذريا في نظرة الأفراد إلى مؤسسة الزواج.
ويُرجع التقرير هذا التراجع أساسا إلى الضغوط المالية، التي أصبحت العائق الأول أمام تكوين أسرة، خاصة لدى الفئات الشابة، حيث تشكل تكاليف المعيشة وغلاء الحياة حاجزا حقيقيا أمام الاستقرار الأسري، في حين تمثل الدراسة والانشغالات المهنية عاملا إضافيا لدى الفئات الأصغر سنا.
ورغم هذا العزوف المتزايد، لا يزال حلم تكوين أسرة حاضرا لدى نسبة كبيرة من الشباب، إذ يعتبر 78 في المائة من العزاب أن الزواج يظل مرتبطا بالإنجاب والاستقرار، مع بروز القيم الأخلاقية وتحمل المسؤولية كمعايير أساسية في اختيار الشريك، وهو ما يعكس صراعا بين الطموح والواقع.
وفي موازاة ذلك، يسجل المجتمع المغربي انفتاحا متزايدا على مستوى العلاقات الزوجية، حيث تراجعت زيجات الأقارب بشكل واضح، كما ارتفعت نسبة الزيجات بين أشخاص ينحدرون من مناطق جغرافية مختلفة، في مؤشر على تحولات ثقافية واجتماعية متسارعة.
لكن الوجه الآخر لهذه التحولات يبدو أكثر قتامة، إذ حذر التقرير من هشاشة العلاقات الزوجية في بداياتها، حيث تبلغ نسب الطلاق أعلى مستوياتها خلال السنوات الأولى من الزواج، ما يكشف عن ضعف الاستقرار الأسري وصعوبة التكيف داخل الحياة الزوجية.
واللافت أن النساء أصبحن في صدارة المطالبين بإنهاء العلاقة الزوجية، حيث يمثلن الأغلبية في طلبات الطلاق، فيما تتصدر الخلافات اليومية البسيطة قائمة الأسباب، وهو ما يعكس عمق التوترات داخل الأسر.
أما على مستوى كبار السن، فلا تزال الأسرة تشكل الملاذ الأساسي، إذ يعيش أغلبهم مع أبنائهم ويشعرون بدرجة عالية من الأمان والاحترام، غير أن هذا الاستقرار المعنوي يخفي هشاشة اقتصادية حادة، حيث يعاني جزء كبير منهم من ضعف أو انعدام الدخل، خاصة النساء.
وتزداد هذه الأزمة حدة داخل الأسر التي تعيلها النساء بمفردهن، حيث تواجه الأغلبية صعوبات مالية خانقة، ما يسلط الضوء على اختلالات اجتماعية واقتصادية مركبة تهدد التوازن الأسري.
وفي سياق متصل، يكشف التقرير عن تحول ديمغرافي خطير، مع استقرار معدل الخصوبة دون مستوى تجديد الأجيال، نتيجة تراجع الرغبة في الإنجاب بسبب الإكراهات الاقتصادية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على البنية السكانية والاقتصادية للبلاد.
وفي المحصلة، يبدو أن المغرب يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع التحولات القيمية لتعيد تشكيل مفهوم الأسرة، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل المجتمع وقدرته على الحفاظ على توازنه في ظل هذه التغيرات المتسارعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك