زلزال صامت يهز الأسرة المغربية وأرقام رسمية تكشف انهيار النموذج التقليدي وصعود واقع جديد مقلق

زلزال صامت يهز الأسرة المغربية وأرقام رسمية تكشف انهيار النموذج التقليدي وصعود واقع جديد مقلق
ديكريبتاج / الخميس 09 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

في تحول اجتماعي عميق يعيد رسم ملامح المجتمع المغربي، كشفت معطيات حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن بنية الأسرة في المغرب لم تعد كما كانت، بل دخلت مرحلة إعادة تشكل جذرية تُنهي تدريجياً هيمنة العائلة الممتدة لصالح نموذج نووي ضيق، في وقت تتسارع فيه مؤشرات العزوف عن الزواج وتراجع الخصوبة وارتفاع نسب الطلاق، ما يطرح أسئلة حادة حول مستقبل التماسك الاجتماعي.

الدراسة الوطنية حول العائلة لسنة 2025، التي عُرضت بالعاصمة الرباط، ترسم صورة مجتمع يتحول بصمت، حيث أصبحت الأسرة المكونة من الوالدين والأبناء فقط النمط الغالب بنسبة 73 في المائة، بعدما كانت لا تتجاوز 60,8 في المائة قبل ثلاثة عقود، في مؤشر واضح على تراجع الروابط العائلية الموسعة التي كانت تشكل العمود الفقري للتضامن الاجتماعي.

ولم يتوقف التغيير عند البنية فقط، بل امتد إلى أنماط العيش والاختيارات الحياتية، إذ ارتفع سن الزواج الأول بشكل لافت ليبلغ أكثر من 33 سنة لدى الرجال و26 سنة لدى النساء، بينما أصبح أكثر من نصف العزاب لا يبدون رغبة في الارتباط، وهو ما يعكس تحولا في القيم والتطلعات، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتقلبة.

هذه المؤشرات تتقاطع مع ظاهرة تمديد العزوبية داخل بيت الأسرة، حيث يستمر عدد مهم من الشباب في العيش مع الوالدين حتى سن متقدمة دون زواج، ما يعكس صعوبة الانتقال إلى الاستقلالية الاجتماعية، ويؤشر في الوقت ذاته إلى تغير عميق في مسار الحياة التقليدي الذي كان يربط بين البلوغ والزواج وتأسيس أسرة جديدة.

وفي سياق موازٍ، سجلت الدراسة تراجعاً مقلقاً في معدل الخصوبة الذي انخفض إلى أقل من طفلين لكل امرأة، وهو مستوى يقترب من عتبة الشيخوخة الديمغرافية، خاصة مع انتشار وسائل منع الحمل بشكل واسع بين النساء المتزوجات، ما يعزز فرضية دخول المغرب مرحلة جديدة من التحول السكاني.

أما على مستوى التوازنات داخل الأسرة، فقد برزت المرأة كفاعل مركزي في إعالة العائلات، خصوصاً في الحالات أحادية الوالد، حيث تتحمل النساء المسؤولية الاقتصادية في الغالبية الساحقة من هذه الأسر، في تحول يعكس إعادة توزيع الأدوار داخل النسيج الاجتماعي، لكنه يكشف أيضاً عن هشاشة بعض البنى العائلية.

وفي مقابل ذلك، يتصاعد منحى الطلاق بشكل لافت، خاصة في السنوات الأولى من الزواج، حيث تبلغ نسبته مستويات مرتفعة مقارنة بالمعدل العام، وغالباً ما يكون بطلب من النساء، وهو ما يعكس تغيراً في موازين القوة داخل العلاقة الزوجية، لكنه يطرح أيضاً تحديات جديدة مرتبطة بالاستقرار الأسري وحماية الأطفال.

ورغم هذا التحول العميق، لا يزال المغاربة متشبثين رمزياً بمكانة الأسرة، إذ يعتبرها أغلبهم ركيزة أساسية لنقل القيم وضمان التضامن، في حين يرى أكثر من نصفهم أن التكنولوجيا، رغم كل الانتقادات، باتت تلعب دوراً في تقوية الروابط العائلية بدل تفكيكها.

هذه المعطيات ترسم ملامح مفارقة حادة: مجتمع يتغير بسرعة على مستوى الواقع، لكنه لا يزال متشبثاً بصورة مثالية للأسرة في الوعي الجماعي، ما يجعل المغرب أمام مرحلة دقيقة تتطلب إعادة التفكير في السياسات الاجتماعية لمواكبة هذا التحول العميق قبل أن يتحول إلى أزمة بنيوية تهدد التوازن الاجتماعي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك