أنتلجنسيا:أبو فراس
كشفت دراسة تحليلية حديثة صادرة عن معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية أن اضطرابات مضيق هرمز خلال سنة 2026 لم تكن مجرد أزمة دولية بعيدة، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي مباشر هزّ سوق المحروقات في المغرب، وعرّى عمق التبعية الطاقية التي تجعل البلاد مكشوفة أمام أي ارتدادات جيوسياسية.
المعطيات الواردة في التقرير تضع المغرب ضمن أكثر الدول هشاشة في مواجهة صدمات الطاقة، بسبب اعتماده شبه الكلي على الخارج لتأمين احتياجاته، حيث تتجاوز نسبة الاستيراد 94 في المائة، وهو ما يعني أن أي توتر في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس فوراً على الأسعار المحلية دون حواجز وقائية حقيقية. هذه الهشاشة تفاقمت مع استمرار إغلاق مصفاة سامير، ما جعل البلاد رهينة لأسعار المنتجات المكررة في الأسواق الدولية بدل التحكم في جزء من دورة الإنتاج داخلياً.
التحول الأخطر، وفق القراءة التحليلية، جاء مع إعلان إيران تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز مطلع مارس 2026، وهو الحدث الذي فجّر موجة ارتفاعات حادة في أسعار النفط ومشتقاته، مدفوعة ليس فقط بندرة الإمدادات، بل أيضاً بتكاليف الشحن والتأمين التي تضاعفت بعد تصنيف المنطقة كمنطقة حرب عالية المخاطر. هذه العوامل مجتمعة انتقلت بسرعة إلى السوق المغربية، حيث بدأت الأسعار في الارتفاع منذ الأيام الأولى للأزمة، قبل أن تبلغ ذروتها في ما سُمي بـ”الإثنين الأسود”.
في 16 مارس 2026، وجد المغاربة أنفسهم أمام زيادة مفاجئة في أسعار الوقود، هي الثانية خلال أقل من أسبوعين، ما عمّق الإحساس بالاختناق المعيشي، وأعاد النقاش حول بنية الأسعار التي يعتبرها كثيرون غير شفافة. فالسعر النهائي للمحروقات لا يعكس فقط تكلفة الشراء من الخارج، بل يتضخم بفعل الضرائب والرسوم، في وقت يتساءل فيه الرأي العام عن دور الدولة في ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية.
اللافت أن هذه الصدمة لم تكن فقط اقتصادية، بل سلوكية أيضاً، إذ أظهر التقرير أن المواطنين كانوا قد استنفدوا مسبقاً قدرتهم على التكيف مع تقلبات الأسعار، ما يفسر موجة الهلع والتهافت على محطات الوقود فور انتشار أخبار إغلاق المضيق. هذا السلوك يعكس فقدان الثقة في استقرار السوق، ويكشف عن هشاشة نفسية جماعية تغذيها الأزمات المتكررة.
وفي قلب الجدل، برزت مسألة المخزون الاستراتيجي، حيث أكدت السلطات توفر احتياطي يكفي لشهر تقريباً، غير أن هذا المعطى لم يمنع الشركات من رفع الأسعار بشكل متزامن، ما فجّر اتهامات صريحة بوجود تنسيق مسبق بين الفاعلين في السوق. هذه الاتهامات، التي تبنتها جمعيات حماية المستهلك وبعض أطياف المعارضة، تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى احترام قواعد المنافسة، وحول قدرة الدولة على فرض رقابة فعلية على قطاع حيوي.
القراءة الراديكالية لهذه الأزمة تذهب إلى أن ما يحدث ليس مجرد نتيجة لحرب بعيدة، بل انعكاس لاختيارات داخلية كرّست التبعية وفتحت المجال أمام منطق السوق دون ضوابط كافية. فغياب تكرير محلي، وضعف آليات الحماية، وترك الأسعار رهينة لتقلبات الخارج، كلها عوامل جعلت المواطن المغربي يدفع الثمن مضاعفاً.
في النهاية، تكشف أزمة 2026 أن المغرب لا يواجه فقط تقلبات سوق الطاقة، بل يواجه نموذجاً كاملاً يحتاج إلى مراجعة، نموذج يضع الأمن الطاقي في الهامش ويترك الاقتصاد عرضة لرياح الأزمات الدولية. وبين صدمة الأسعار وغضب الشارع، يبرز سؤال ثقيل: هل ما حدث مجرد أزمة عابرة، أم بداية انكشاف استراتيجي أعمق؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك