أنتلجنسيا:ياسر اروين
فجّرت الوثائق التي رُفعت عنها السرية ضمن أرشيف قضية جيفري إبستين صدمة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، بعدما كشفت حضورًا مكثفًا للمغرب وأسماء وازنة فيه داخل مراسلات واتصالات امتدت لسنوات، واضعة النخبة الاقتصادية والسياسية أمام دائرة تساؤلات قاسية، لا تُوجّه اتهامًا مباشرا بقدر ما تفضح حجم التشابك والاقتراب من عالم رجل تحوّل اسمه إلى مرادف عالمي للفضيحة.
المعطيات الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية، في أكبر عملية رفع سرية مرتبطة بالقضية، أظهرت تكرار اسم مصطفى التراب، المدير العام لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، عشرات المرات داخل الوثائق، إلى جانب أسماء مغربية أخرى، مع حضور لافت للمغرب كبلد ومدنه الكبرى ضمن مراسلات وملفات تتعلق باتصالات، زيارات، ومشاريع عقارية. الأرقام وحدها كافية لإثارة الانتباه: اسم التراب ورد 32 مرة، واسم بنجلون 14 مرة، فيما تكرر ذكر المغرب أكثر من ألف وأربعمائة مرة، مع حضور مكثف لمدن مثل مراكش وطنجة وأكادير، ما يعكس موقع المملكة كفضاء حاضر بقوة في حسابات إبستين وشبكته.
وتكشف مراسلات تعود إلى سنتي 2011 و2012 تبادلات ذات طابع تعريفي وشخصي حول مصطفى التراب، حيث وُصف في إحدى الرسائل بأنه شخصية “ذكية ومؤثرة”، مع الإشارة إلى أنه كان يُنظر إليه في تلك المرحلة كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة في المغرب، وفق توصيف ورد داخل مراسلات خاصة. هذا المعطى، وإن خلا من أي شبهة جنائية، يسلط الضوء على الطريقة التي كانت تُقارب بها الدوائر المحيطة بإبستين النخب في دول مختلفة، باعتبارها بوابات نفوذ وفرص.
في السياق نفسه، تشير وثائق أخرى إلى محاولات تنسيق زيارات ورحلات إلى مراكش، شملت اتصالات لأغراض لوجستية، ومحاولات تواصل مع شخصيات مغربية بارزة، دون أن تتضمن المراسلات أي اتهامات قانونية أو إشارات إلى أنشطة غير مشروعة. غير أن مجرد ورود هذه الأسماء في ملف يحمل توقيع إبستين يكفي لإشعال نقاش عام حول معايير القرب والبعد، وحول هشاشة الحدود بين الأعمال، النفوذ، والمغامرة الأخلاقية.
الشق العقاري في الوثائق يكشف جانبًا آخر من القصة، حيث تظهر عشرات الرسائل الإلكترونية أن إبستين أمضى سنوات وهو يحاول اقتناء قصر فاخر في حي النخيل بمراكش، وُصف في المراسلات بأنه تحفة معمارية استثنائية. التفاصيل دقيقة إلى حد الهوس: طلب صور وفيديوهات، تدقيق في المطابخ والحمّامات والأنظمة التقنية، ومفاوضات طويلة حول السعر الذي قُدّر بنحو خمسين مليون يورو. ورغم إعجابه بالعقار، ظل إبستين متحفظًا، محذرًا من مخاطر مالية وسياسية، ومن غياب سوق مقارنة واضحة للعقارات الفاخرة في المدينة الحمراء.
المفاوضات، بحسب الوثائق، استمرت لسنوات بمشاركة وسطاء محليين وزيارات ميدانية متكررة، قبل أن تتوقف نهائيًا في ربيع 2019، أي قبل أشهر قليلة من توقيف إبستين في الولايات المتحدة. توقيت التوقف، وطبيعة الاهتمام، يفتحان باب التأويل حول دوافع الرجل، وحدود ما كان يبحث عنه في المغرب، بعيدًا عن الصورة السياحية البريئة.
وزارة العدل الأمريكية، وهي تنشر أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، ومئات الآلاف من الصور، وآلاف المقاطع المصورة، شددت على أن ورود أسماء أشخاص أو بلدان لا يشكل بحد ذاته دليل إدانة، وأن غالبية المواد تندرج ضمن مراسلات شخصية أو مهنية مرتبطة بتحقيقات واسعة. لكن هذا التوضيح القانوني لا يلغي الأثر السياسي والأخلاقي لما كُشف، ولا يمنع طرح السؤال الجوهري: كيف ولماذا كانت نخب من دول مختلفة، بينها المغرب، حاضرة في فضاء رجل تحوّل لاحقًا إلى رمز عالمي للانحراف واستغلال النفوذ؟
ما تكشفه ملفات إبستين، في جوهره، ليس جريمة مثبتة بقدر ما هو مرآة فجة لعالم العلاقات الرمادية، حيث تتقاطع الثروة، السياسة، والعقار، بعيدًا عن الأضواء. وهي مرآة تضع المغرب اليوم أمام اختبار الشفافية، وتضع الرأي العام أمام حق مشروع في السؤال، لا عن الإدانة، بل عن المعنى والمغزى وحدود ما يجب أن يُقال وما لا يجب أن يُترك في الظل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك