إرث الدم والذاكرة المغيبة (الجزء الثاني): حرب الإبادة الكيميائية لإسبانيا الاستعمارية وتداعياتها الممتدة في الريف الشرقي

إرث الدم والذاكرة المغيبة (الجزء الثاني): حرب الإبادة الكيميائية لإسبانيا الاستعمارية وتداعياتها الممتدة في الريف الشرقي
ثقافة وفنون / الإثنين 07 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

​بقلم : د . محمد أحدو

​إن بقاء مدينتي سبتة ومليلية المحتليتين تحت السيطرة الإسبانية لا يمكن إلا أن يوقظ، بين الفينة والأخرى، تاريخاً استعمارياً امتزج بالدم والمقاومة الشرسة لهذا الوجود خارج القارة الأوروبية، كشكل من أشكال الاحتلال الذي يذكر بالقوى الاستعمارية السابقة التي كانت لها ثغور مستعمرة ما وراء البحار. فالعلاقة بين ساكنة المناطق الشمالية، وتحديداً منطقة الريف التي قاومت هذا الوجود منذ نهاية القرن التاسع عشر من خلال "معركة سيدي ورياش" ومقاومة "الشريف أمزيان"، وانتقالاً إلى ثورة "محمد بن عبد الكريم الخطابي" منذ أوائل القرن العشرين، تعكس فصولاً من المقاومة المحلية الممتدة بأبسط الأدوات الحربية ضد أعتى القوى الاستعمارية في تلك المرحلة.


​وهذا التصعيد والتوتر الحالي بين المغرب وإسبانيا، الذي يطفو بين الحين والآخر في ظل استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، يذكر بذلك الإرث التاريخي الممتد من الصراع الذي لم تتم المصالحة مع جراحه، ولا تصحيح ما أفرزه من وضعية استعمارية في مناطق الشمال ومنها الريف الشرقي المغربي . فقد شهدت هذه الربوع فصولاً دامية منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حين أقدم الاحتلال الإسباني على إبادة جماعية باستعمال الأسلحة الكيميائية وقصف المناطق الثائرة على وجوده، بتنسيق ودعم من المستعمر الفرنسي، للقضاء على المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحرير مدينة مليلية حين حاصرها.

 

​ولا تخفي أقلام بعض المؤرخين الإسبان إلى اليوم هذا الماضي المأساوي، إذ كسروا جدار الصمت والتعتيم الرسمي. فالمؤرخة ماريا روزا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga) تؤكد في كتابها "إسبانيا والريف: وقائع تاريخية شبه منسية" (صدر عام 1999) أن المؤسسة الرسمية في إسبانيا، سواء خلال مرحلة الحكم الشمولي لفرانكو أو في ظل الانتقال إلى العهد الديمقراطي، تعمدت إخفاء الفصول المظلمة لحرب الريف عن الأجيال الحالية التي تجهل الكثير من هذه الوقائع، بل وتربت على نظرة نمطية تعتبر المغاربة "غزاة" استعمروا الأندلس قديماً. ومن جانبه، يغوص المؤرخ خوان بالكو (Juan Pando) في مؤلفه "التاريخ السري لمعركة أنوال" (صدر عام 1999) ليحلل كيف شكلت الهزيمة المدوية التي مني بها الجيش الإسباني سنة 1921 على يد مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي صدمة نفسية وسياسية أفقدت مدريد صوابها، ودفعت بالقيادة العسكرية نحو مسار الانتقام المطلق وسياسة الأرض المحروقة، خصوصاً بعد أن قارب الثوار تحرير مليلية. أما على المستوى البنيوي، فقد سلط المؤرخ خافيير توسال (Javier Tusell) في دراسته "الحماية الإسبانية في المغرب: من الغزو إلى الاستقلال" (صدر عام 2002) الضوء على آليات السيطرة والإكراه العسكري، موضحاً كيف غطت عباءة "الحماية" على واقع استعمار استيطاني غاشم ودموي واجهته ساكنة عزل دافعت عن أراضيها منذ معارك مبكرة مثل معركة  سيدي ورياش بفرخانة سنة 1893.

​ولتنفيذ هذه المخططات الدموية، لعب السلاح الجوي دوراً حاسماً؛ إذ أقدم سلاح الطيران العسكري الإسباني –حسب ما يوثقه سباستيان بالفور (Sebastian Balfour) في كتابه "العناق الممطورة: المغرب والطريق إلى الحرب الأهلية الإسبانية" (صدر عام 2002)– على تنفيذ توجيهات القيادة العليا بإلقاء قنابل الغازات السامة (مثل غاز الخردل والفوسجين) على الأراضي والمجاري المائية، في إحدى أبشع جرائم التاريخ الاستعمارية للقضاء على حركات المقاومة في الريف، وما نجم عن ذلك من آثار بيئية وصحية كارثية لا تزال تتفاعل في تفشي أمراض السرطان المختلفة والتشوهات الخلقية بين الساكنة.

 

​إن تجاوز هذا الإرث المأساوي المتمثل في الإبادة الكيميائية وتداعياتها الصحية والبيئية المستمرة يقتضي شجاعة سياسية من الإدارة الإسبانية للانتقال من سياسة الهروب إلى الأمام نحو بناء شراكة حقيقية ومستدامة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتصفية الملفات العالقة، وفي مقدمتها إنهاء الوجود الاستعمارى المتبقي في سبتة ومليلية وباقي الثغور المحتلة، ورفض رهن العلاقات الثنائية للمزايدات السياسية والانتخابية الداخلية في إسبانيا أو للنزعات الاستعلائية البائدة.

​وفي هذا السياق، يبقى فتح أرشيفات الوثائق الإسبانية الرسمية والعسكرية دون قيود وتحريات أمام الباحثين والمؤرخين مدخلاً أولياً وأساسياً للمصالحة مع هذا الماضي وكشف الحقيقة كاملة. ويُتوج ذلك بإقرار رسمي واعتذار تاريخي عن جرائم حرب الريف، إلى جانب تأسيس صندوق مشترك لجبر الضرر الصحي والتنموي لدعم مناطق الريف الشرقي.

والأهم من ذلك أنه لا يمكن بأي حال تغيير الجغرافيا أو القفز على حقيقة الجوار؛ فكلا البلدين محكوم عليه بالتعايش في فضاء المتوسط، وهو ما يفرض، بكل إلحاح، خلق لجنة جادة ودائمة للحوار حول مستقبل المدينتين المحتليتين وباقي الثغور، لتحويل الذاكرة المؤلمة إلى جسر للتقارب، وتأسيس علاقات عادلة ومتوازنة تستند إلى احترام السيادة الوطنية وتتطلع بثقة نحو مستقبل مشترك ينعم فيه الجميع بالاستقرار والازدهار.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك