أنتلجنسيا المغرب: م.إيطاليا
صدر حديثًا عن
معهد الشارقة للتراث بدولة الإمارات العربية المتحدة كتابٌ جديد للباحث المغربي
إبراهيم البوعبدلاوي يحمل عنوان: «فن العمارة في المغرب: دراسة سيميائية-تاريخية»،
وهو عمل علمي ضخم يقع في نحو 555 صفحة، موزعة على ثلاثة أبواب رئيسة، تسبقها مقدمة
نظرية وتليها خاتمة تركيبية تستخلص أهم النتائج والرؤى التي انتهى إليها البحث.
ويطمح هذا
المؤلَّف إلى مقاربة فن العمارة المغربية من زاوية سيميائية-تاريخية، عبر تتبع
التحولات التي عرفها البناء المعماري بالمغرب منذ العصر الإدريسي وصولًا إلى فترة
الحماية، مع الوقوف عند أبرز النماذج والمنجزات التي شكّلت الذاكرة العمرانية
المغربية عبر القرون. فالكتاب لا يكتفي بوصف المباني والمنشآت، بل يسعى إلى تفكيك
رموزها ودلالاتها الثقافية والحضارية، والكشف عن الأنساق الفكرية والإيديولوجية
والجمالية التي أسهمت في تشكيلها.
ويقدّم الباحث
من خلال هذا العمل رحلةً معرفيةً ممتدة في الزمن المغربي، يتعرف القارئ عبرها على
جهود السلاطين والمهندسين والصناع والمعلمين التقليديين، فضلًا عن إسهام الإنسان
البسيط في حركة البناء والتشييد وصناعة المجال العمراني المغربي. كما يتوقف عند
عدد من المنشآت والمعالم التي شكّلت علامات بارزة في التاريخ المغربي، محللًا
وظائفها الرمزية والاجتماعية والسياسية.
وقد استثمر
المؤلف آليات السيميائيات بمختلف اتجاهاتها؛ من السيميائيات التأويلية والثقافية
والبصرية إلى السيميائيات الإيديولوجية، بغية قراءة العمارة بوصفها نسقًا دلاليًا
قائمًا بذاته، لا مجرد تشكيل هندسي أو زخرفي. ومن خلال هذا المنظور، يكشف الكتاب
عن المعاني المتوارية خلف العناصر المعمارية، وعن طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان
المغربي بالمجال والذاكرة والهوية.
ويكتسب هذا
الإصدار أهميته العلمية من كونه يحاول توسيع مجالات اشتغال السيميائيات، التي
ارتبطت غالبًا بتحليل النصوص الأدبية والصور والخطابات الفنية، ليجعل من العمارة
موضوعًا للتحليل السيميائي التاريخي؛ وهو ما يمثّل محاولة علمية جادة لبناء تصور
نظري ومنهجي جديد قادر على استيعاب خصوصيات العمارة المغربية وقراءتها قراءة
تتجاوز الوصف إلى التأويل والكشف الدلالي.
ويُنتظر أن يشكل
هذا الكتاب إضافة نوعية إلى حقل الدراسات السيميائية والدراسات التراثية
والمعمارية بالمغرب والعالم العربي، بالنظر إلى ما يقدمه من مقاربة تجمع بين عمق
البحث التاريخي وثراء التحليل السيميائي، في أفق إعادة التفكير في العمارة
باعتبارها نصًا ثقافيًا وحضاريًا مفتوحًا على التأويل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك