بقلم : الأستاذ - حكم يونس
وضعتنا مسرحية
"خيط...بلا راس" في أحد أصعب مآزق الهوية و سؤال الوجود و العدم، و ما
فتئ "صابر" و هو الشخصية الرئيسة في المَشاهد يتوعر بنا في عوالم فلسفية
تغازل الذات و الآخر و تنشد أفقا إنسانيا صاخبا يبحث عن هويته بكل شغف و حب،
"صابر" الذي أضناه القلق النفسي، نجده يحاول التمرد على ذاته أملا في
بلوغ السلام الداخلي و تفويج مشاعره بين سلسلة من الأحاسيس عله يحقق السكينة مع
الآخر، لكنه ما يلبث أن يعيش منشطرا بين "حياتين" فينصهر مجهول التاريخ
و الماضي و الحاضر، ثم ينتصب السؤال المؤرق: ما معنى أن نكون نحن أنفسنا؟
يستفزنا
"صابر" بحرقة الطرح الوجودي، بل إنه يعبث بالكثير من اليقينيات داخلنا
فيحتم علينا التفكير في إعادة خلط الأوراق و بناء الفكر الثقافي من جديد، بناء
يسلم بأن الوجود يحتاج إلى تثبيت الأولويات المحدقة بالانسان و هو يصارع الزمن و
تقلبات الحياة، ليصير خواء في خواء، تنهش جسده الرغبة في خلق الود مع الآخر، ألم
يقل ميخيائيل نعيمة في الغربال" ليس بالخبز وحده يحيا الانسان يا أخي"،
هو ما اختزله" صابر" في رحلته الشاقة تمهيدا لنفي كل ما هو مادي لا يؤمن
بما هو معنوي، و لا يعلي من شأن العاطفي و الشاعري و الرومانسي، هكذا يسافر"
صابر" كما سافر شهريار يواسي نفسه بالبكاء تارة و بجلد الذات تارة أخرى، و في
كل مرة ينبهر بأنواع شتى من الوجوه، و ما يكاد يطمئن إلى وجه معين حتى يصطدم
ببشاعته المستبطنة، ثم يجرب بدون ملل وجها آخر، لكنه يكتشف فداحته، إنها
رحلة" ݣيلݣاميشية" بين الأنا و الذات، و معركة نفسية تأمل في خلق
المثاليات كمن يريد نحت تمثال من الهواء.
المسرحية، عمل
خلاب و متقن يخلط أوراق أفق انتظارات المتلقي و يبعثر ما قد يبنيه من سيناريوهات
تجعله يعيد ترتيب أفكاره و منطلقاته من جديد وسط نتوء مليئة بالبياض و خلفه يرقد
السواد مكشرا عن أنيابه و مستعدا في كل حين و لحظة للتشويش على سعادة الانسان و لو
من فراغ.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك