أدعياء السلفية… أزمة الفهم قبل أزمة الخطاب

أدعياء السلفية… أزمة الفهم قبل أزمة الخطاب
أقلام حرة / الثلاثاء 17 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم: شكري مصطفى

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الفكرية والدينية داخل المجتمعات الإسلامية، لم يعد الجدل حول المرجعيات الدينية مجرد نقاش علمي بين مدارس متعددة، بل تحوّل – في كثير من الأحيان – إلى صراع على “امتلاك الحقيقة”، تقوده خطابات تدّعي النقاء والصفاء، بينما تمارس في الواقع نوعًا من الإقصاء والتضييق.

ضمن هذا السياق، يبرز ما يُعرف بخطاب “السلفية” في صيغته المعاصرة، والذي لم يعد يُقدَّم بوصفه اجتهادًا من بين اجتهادات، بل باعتباره التعبير الوحيد عن الإسلام الصحيح. وهنا تبدأ الإشكالية: حين يتحول المنهج إلى شعار، والشعار إلى أداة تصنيف، والتصنيف إلى وسيلة إقصاء.

لقد كان السلف الصالح، الذين يُستدعى اسمهم بكثافة في هذا الخطاب، نموذجًا في التواضع العلمي وسعة الأفق. لم يكونوا جماعة مغلقة، ولا مدرسة أحادية، بل كانوا فضاءً رحبًا للاجتهاد، يتسع للاختلاف، ويُدرك أن النص الديني لا يُختزل في قراءة واحدة. غير أن بعض المنتسبين إلى “السلفية” اليوم يعكسون صورة مغايرة تمامًا: انغلاق في الفهم، وحدّة في الطرح، وميل واضح إلى احتكار الحقيقة.

إن الإشكال الأعمق في هذا الخطاب لا يكمن فقط في مضمونه، بل في بنيته الفكرية. فهو يقوم على قراءة حرفية للنصوص، تُقصي أدوات التأويل التي اعتمدها علماء الأمة عبر القرون، وتتعامل مع النص بمعزل عن سياقه اللغوي والتاريخي. وبهذا، يتحول الدين من منظومة مرنة تستوعب التعقيد، إلى قالب جامد لا يقبل التعدد.

وقد نبّه أئمة كبار، مثل أبو حامد الغزالي، إلى خطورة هذا المسار، حين أكد أن التمسك بظواهر النصوص دون فهم عميق قد يؤدي إلى أوهام في العقيدة. كما شدّد يحيى بن شرف النووي على أن منهج أهل السنة يقوم على التنزيه مع الإيمان، لا على الحرفية التي تفتح الباب للتشبيه. وأوضح ابن حجر العسقلاني أن جمهور العلماء قد اتفقوا على نفي مشابهة الله للمخلوقات، مع اختلافهم في كيفية التعامل مع النصوص المتشابهة، وهو اختلاف مشروع لا يُفسد وحدة المنهج.

لكن ما نشهده اليوم هو تجاوز لهذا التراث، بل أحيانًا القطيعة معه، عبر خطاب يُقصي المدارس العقدية الكبرى، ويُشكّك في التصوف السني، ويُضيّق واسعًا في مسائل الخلاف. وهو ما يُنتج حالة من التوتر داخل المجتمع، ويُحوّل الدين إلى ساحة صراع بدل أن يكون عامل توازن واستقرار.

ومن جهة أخرى، فإن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن سياقاته المعاصرة، حيث تأثر بمدارس خارجية، وأُعيد إنتاجه في بيئات مختلفة دون مراعاة الخصوصيات المحلية. وفي المغرب، الذي عُرف تاريخيًا بتديّنه الوسطي القائم على التوازن بين الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، يبدو هذا الخطاب غريبًا عن بنيته الدينية، ومصدرًا لاضطرابها.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود هذا التيار، فالتعدد سنة من سنن الفكر، بل في تحوّله إلى خطاب مهيمن يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الديني وفق رؤية أحادية. فحين يُختزل الدين في فهم واحد، تُغلق أبواب الاجتهاد، وتُهمَّش بقية الأصوات، ويُفقد التوازن الذي ميّز التجربة الإسلامية عبر تاريخها.

إن ما يحتاجه الواقع اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل إعادة الاعتبار للمنهج العلمي الرصين، الذي يجمع بين احترام النصوص وفهم مقاصدها، ويُدرك أن الاختلاف ليس خطرًا، بل ثراء. كما يحتاج إلى خطاب ديني يعيد للدين وظيفته الأصلية: بناء الإنسان، لا تقسيمه.

وفي الختام، فإن الانتساب إلى السلف لا يكون برفع رايتهم، بل بالاقتداء بأخلاقهم العلمية: التواضع، والإنصاف، وسعة الصدر. أما من يجعل من هذا الانتساب أداةً للإقصاء، فإنه – من حيث لا يدري – يبتعد عن جوهر ما يدّعيه.

فالسلفية ليست عنوانًا…بل مسؤولية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك