الملك محمد السادس غير قواعد اللعبة في إفريقيا من الدبلوماسية إلى المشاريع الكبرى

الملك محمد السادس غير قواعد اللعبة في إفريقيا من الدبلوماسية إلى المشاريع الكبرى
أنشطة ملكية / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، لم يعد الحضور المغربي في إفريقيا محصورا في العلاقات الدبلوماسية التقليدية أو الزيارات الرسمية وتبادل المواقف، بل تطور تدريجيا إلى رؤية واسعة تنظر إلى القارة باعتبارها مجالا استراتيجيا تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والتنمية والأمن والاستثمار.

وخلال أكثر من ربع قرن، انتقل المغرب من التعامل مع إفريقيا باعتبارها عمقا جغرافيا وسياسيا إلى بناء شراكات متعددة المستويات تقوم على المشاريع والمصالح المشتركة، في محاولة لترسيخ موقع المملكة كفاعل قادر على التأثير والمساهمة في تشكيل مستقبل القارة، وليس مجرد دولة تربطها علاقات ثنائية مع عدد من البلدان الإفريقية.

وكانت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 واحدة من أبرز المحطات التي جسدت هذا التحول، بعدما اختارت المملكة استعادة موقعها داخل المؤسسة القارية والعمل من داخلها بدل الاكتفاء بالتفاعل معها من خارجها.

ولم تكن العودة مجرد قرار دبلوماسي، بل شكلت بداية مرحلة جديدة من الانخراط في القضايا الإفريقية، سواء تعلق الأمر بالأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، أو بالتنمية والهجرة والتغير المناخي والتعاون الاقتصادي. ومن خلال هذا الحضور، سعى المغرب إلى الدفاع عن مصالحه الوطنية داخل المؤسسات الإفريقية، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه كشريك في معالجة التحديات التي تواجه دول القارة، خصوصا في منطقة الساحل والصحراء التي أصبحت تواجه تهديدات أمنية وسياسية متزايدة.

لكن التحول الأبرز ربما ظهر في المجال الاقتصادي، حيث توسع حضور الشركات والاستثمارات المغربية في عدد من الدول الإفريقية، وأصبحت قطاعات مثل الأبناك والاتصالات والتأمين والفلاحة والصناعة والطاقة والخدمات واللوجستيك جزءا من شبكة التعاون الجديدة بين المغرب وعدد من شركائه الأفارقة.

ولم يعد الهدف مقتصرا على زيادة المبادلات التجارية، بل اتجهت المقاربة نحو بناء مصالح متشابكة ومشاريع طويلة الأمد تسمح بتبادل الخبرات وتكوين الموارد البشرية وتطوير القدرات المحلية. كما اكتسب التعاون الإنساني والديني والتكويني أهمية خاصة، من خلال استقبال الطلبة الأفارقة وتكوين الأطر والأئمة والمرشدين، بما جعل السياسة الإفريقية للمغرب تجمع بين المصالح الاقتصادية والأبعاد الإنسانية والثقافية.

وفي السنوات الأخيرة، اتسعت هذه الرؤية لتشمل البعد الأطلسي، من خلال المبادرة التي أطلقها المغرب بهدف منح دول الساحل غير المطلة على البحر إمكانية الاستفادة من واجهته الأطلسية والانفتاح على طرق التجارة الدولية. الفكرة تتجاوز توفير منفذ بحري لهذه الدول، لأنها ترتبط بتصور أوسع يقوم على بناء فضاء إفريقي أطلسي يمكن أن يشكل منصة للتجارة والاستثمار والربط اللوجستيكي والتعاون الاقتصادي. ومن خلال هذه المبادرة، يسعى المغرب إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى عنصر من عناصر التكامل القاري، وربط الدول الإفريقية غير الساحلية بالموانئ والأسواق العالمية، بما قد يمنح اقتصادات المنطقة فرصا جديدة للنمو ويعزز التعاون بين دول الساحل ودول الواجهة الأطلسية.

ويأتي مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب ليعكس بصورة أكبر طبيعة التحول في المقاربة المغربية، فهذا المشروع لا ينظر إليه فقط باعتباره بنية تحتية لنقل الغاز، وإنما باعتباره مشروعا اقتصاديا وإقليميا يمكن أن يعيد رسم جزء من خريطة الطاقة والتكامل في غرب إفريقيا.

ومع امتداده لمسافة تقارب 6800 كيلومتر، يطمح المشروع إلى ربط مصادر الطاقة بالأسواق الإفريقية والأوروبية، وفتح المجال أمام تعزيز الأمن الطاقي ودعم التنمية الصناعية والاقتصادية في الدول التي سيمر عبرها. كما أن الاتفاق الحكومي الدولي المرتبط بالمشروع، والذي وقعته دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في يوليوز 2026، أعطى للمشروع دفعة مؤسساتية جديدة ورسخ موقعه باعتباره مشروعا يتجاوز الحدود الثنائية نحو رؤية إقليمية أوسع.

وبعد سبعة وعشرين عاما، تبدو السياسة الإفريقية للمغرب وقد انتقلت من مرحلة بناء العلاقات إلى مرحلة بناء المنظومات والمشاريع، حيث أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكوين أدوات متكاملة في خدمة رؤية واحدة. وهذه التحولات تعكس توجها يقوم على مبدأ الشراكة بدل المساعدة الظرفية، وعلى خلق مصالح مشتركة تجعل التعاون بين المغرب وشركائه الأفارقة قائما على الاستمرارية والمردودية المتبادلة.

ومن هنا أصبح مفهوم التعاون جنوب جنوب أكثر حضورا في السياسة المغربية، باعتباره مدخلا لبناء علاقات لا تقوم فقط على المصالح الآنية، وإنما على مشاريع يمكن أن تستمر لعقود.

وهكذا، فإن حصيلة سبعة وعشرين عاما من السياسة الإفريقية في عهد الملك محمد السادس تكشف عن محاولة لإعادة تعريف موقع المغرب داخل قارته، عبر الجمع بين الحضور الدبلوماسي والمبادرة الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية والانفتاح الإنساني.

فمن الاتحاد الإفريقي إلى المبادرة الأطلسية، ومن الاستثمارات المغربية إلى مشروع أنبوب الغاز، تتشكل تدريجيا شبكة واسعة من المصالح والشراكات التي تجعل إفريقيا جزءا أساسيا من الرؤية المغربية للمستقبل. وفي المحصلة، لم تعد القارة بالنسبة إلى المغرب مجرد عمق استراتيجي، بل أصبحت فضاء مشتركا لبناء مشاريع كبرى وصناعة مصالح متبادلة وتثبيت حضور المملكة كقوة إقليمية تنظر إلى مستقبلها من بوابة إفريقيا.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك