أنتلجنسيا:سميرة زيدان
في لحظة تتقاطع فيها الرياضة مع أكثر ملفات السياسة الدولية توتراً، خرج رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو بموقف حاد يرفض فيه دعوات مقاطعة كأس العالم 2026، معتبراً أن تحويل الملاعب إلى ساحات احتجاج سياسي لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتغذية الكراهية بدل إطفائها. موقف إنفانتينو لم يكن تقنياً ولا محايداً، بل حمل شحنة سياسية واضحة، خصوصاً وهو يدافع عملياً عن تنظيم مونديال على أرض الولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب وما تثيره سياساته من جدل واسع داخل أوروبا وخارجها.
رئيس الفيفا، في تصريحاته، قدّم كرة القدم كملاذ أخير للوحدة في عالم “عدواني ومنقسم”، رافضاً منطق المقاطعة والحظر، ومشدداً على أن عزل الرياضة عن السياسة الانتقائية ضرب من النفاق. وساق مقارنة مباشرة بالعلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والولايات المتحدة، متسائلاً عن سبب استهداف كرة القدم وحدها، في وقت تستمر فيه المبادلات التجارية والتحالفات الاستراتيجية دون اعتراض يُذكر. رسالة إنفانتينو كانت واضحة: إذا لم تُقاطعوا واشنطن اقتصادياً، فلا تجعلوا كرة القدم شماعة للصراعات السياسية.
لكن خلف هذا الخطاب التصالحي، تتفجر أسئلة أكبر حول السياق الذي وُلدت فيه دعوات المقاطعة، والتي انطلقت من ألمانيا وفرنسا كرد فعل على تصعيد سياسي قاده ترامب، شمل تهديدات جمركية، وخطاباً توسعياً وصل حد التلويح بالاستحواذ على غرينلاند. كما زاد منسوب القلق بسبب سياسات الهجرة الأمريكية الصارمة، وممارسات شرطة الهجرة، ما أثار مخاوف حقيقية بشأن سلامة ملايين المشجعين المتوقع توافدهم على الولايات المتحدة خلال صيف 2026.
الجدل لم يقف عند حدود المقاطعة، بل تعمق أكثر مع دفاع إنفانتينو عن قراره المثير بمنح “جائزة السلام من الفيفا” لترامب، في خطوة وُصفت على نطاق واسع بأنها تسييس فجّ لمنظمة يفترض أنها تدير لعبة عالمية جامعة. إنفانتينو، الذي لم يُخفِ تقاربه المتكرر مع الرئيس الأمريكي، اعتبر أن ترامب “يستحق” الجائزة، مبرراً ذلك بدوره المعلن في إنهاء نزاعات دولية منذ عودته إلى السلطة مطلع 2025، ومؤكداً أن أي فرصة لدعم السلام يجب استثمارها، حتى لو جاءت عبر شخصية شديدة الاستقطاب.
بهذا الموقف، يبدو أن الفيفا، تحت قيادة إنفانتينو، اختارت الاصطفاف الواضح بدل المناورة الرمادية، معتبرة أن مونديال 2026 يجب أن يُقام مهما كانت العواصف السياسية المحيطة به، وأن كرة القدم، بدل أن تكون أداة ضغط أخلاقي، تُستعمل كدرع لامتصاص الصراعات. وبين من يرى في ذلك دفاعاً عن “روح اللعبة”، ومن يعتبره خضوعاً للنفوذ الأمريكي، يبقى كأس العالم 2026 محاصَراً بأسئلة السياسة، حتى قبل أن تُلعب أول صافرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك