أنتلجنسيا:سميرة زيدان
كسرت الحارسة السويدية هيدفيغ ليندال، إحدى أيقونات اللعبة النسائية وأبرز رموزها الأخلاقية، وفي موقف غير مسبوق داخل عالم كرة القدم،(كسرت) جدار الصمت ورفضت دعوة الاتحاد الدولي لكرة القدم للانضمام إلى فريق «أساطير فيفا» قبيل كأس العالم للسيدات، في خطوة مدوّية اعتبرتها موقفًا مبدئيًا ضد ما وصفته بمحاولة تبييض «جائزة السلام» بينما يُغضّ الطرف عن قتل لاعبي كرة القدم واستمرار الإبادة الجارية في غزة.
قرار ليندال لم يكن رياضيًا ولا بروتوكوليًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز. فبالنسبة لها، لا يمكن لفيفا أن تتحدث عن السلام، أو تحتفي برموزه، في وقت تلتزم فيه صمتًا مريبًا إزاء مشاهد القتل الممنهج، وتدمير البنية الرياضية، وسقوط لاعبين ومدربين وحكام ضحايا حرب تُدار أمام أعين العالم. رفضها حمل رسالة واضحة: لا يمكن توظيف وجوه رياضية لامعة لتلميع صورة مؤسسات دولية عاجزة أو متواطئة بالصمت.
اللاعبة السويدية، التي راكمت مسيرة دولية حافلة واحترامًا واسعًا داخل وخارج المستطيل الأخضر، وضعت فيفا أمام مرآة محرجة، وكشفت التناقض الصارخ بين الخطاب الإنساني الذي ترفعه المنظمة، وممارساتها الانتقائية في الدفاع عن «القيم». فحين يصبح السلام شعارًا احتفاليًا، منفصلًا عن العدالة والمساءلة، يتحول إلى أداة علاقات عامة لا أكثر.
موقف ليندال يكتسي أهمية مضاعفة لأنه يصدر عن نجمة من الشمال الأوروبي، حيث تُقدَّم كرة القدم غالبًا كفضاء «محايد» وبعيد عن السياسة. لكنها اختارت كسر هذا الوهم، مؤكدة أن الحياد في لحظات الإبادة ليس حيادًا، بل انحيازًا مقنّعًا. مطالبتها الصريحة بإدانة قتل لاعبي كرة القدم وما يجري في غزة وضعت فيفا في مأزق أخلاقي، وفتحت نقاشًا دوليًا حول حدود الصمت ومسؤولية المؤسسات الرياضية الكبرى.
الرسالة التي بعثت بها ليندال تتجاوز شخصها، وتمتد إلى كل رياضي ورياضية يُطلب منهم الاصطفاف خلف شعارات براقة تُفرغ من مضمونها الإنساني. لقد قالت، عمليًا، إن الأسطورة الحقيقية ليست من تُصفّق في المنصات، بل من ترفض أن تكون جزءًا من مسرحية تبييض الدم والدموع.
في زمن اختلطت فيه الرياضة بالسياسة والمال، جاء موقف هيدفيغ ليندال ليعيد طرح السؤال الجوهري: ما قيمة الجوائز والاحتفالات، حين تُمنح في عالم يتجاهل المآسي، ويصمت عن قتل الرياضيين، ويحوّل السلام إلى ديكور؟ جوابها كان حاسمًا، وصادمًا، ومحرجًا لفيفا: لا سلام بلا عدالة، ولا أساطير فوق المقابر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك