الأحزاب تختار وزراءها والأمن ليس شماعة للإخفاقات السياسية

الأحزاب تختار وزراءها والأمن ليس شماعة للإخفاقات السياسية
تقارير / الإثنين 19 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

كلما أُعفي وزير من مهامه أو أثار تعيين مسؤول حكومي جدلاً سياسياً، سارع بعض الأصوات إلى توجيه الاتهام نحو الأجهزة الأمنية، وكأنها الجهة التي تختار الوزراء وتحدد مسارات تشكيل الحكومات. ويطرح هذا السلوك إشكالاً جوهرياً يتعلق بحدود المسؤولية داخل الحياة السياسية، وبالجهة التي ينبغي أن تتحمل تبعات القرارات المرتبطة باقتراح الأسماء وتولي المناصب الحكومية.

فالأصل في التعيينات السياسية أن تتحمل الجهات التي تقترح المرشحين مسؤولية اختياراتها، وأن تكون مستعدة لتقديم التفسيرات اللازمة بشأن معايير الانتقاء ومدى ملاءمة الأسماء المقترحة للمناصب المسندة إليها. أما نقل النقاش من تقييم القرارات السياسية إلى اتهام المؤسسات الأمنية، من دون أدلة واضحة على وجود تقصير يدخل ضمن اختصاصاتها، فلا يساعد على فهم أسباب الإخفاق ولا يقدم أجوبة حقيقية عن مكامن الخلل.

وتتحمل الأحزاب السياسية، بحكم موقعها في العملية السياسية، مسؤولية أساسية في اختيار الشخصيات التي تدفع بها نحو المسؤوليات الحكومية، سواء تعلق الأمر بالاستوزار أو بتولي مناصب تدبيرية أخرى. فحين تقدم جهة سياسية اسماً لتولي حقيبة وزارية، فإنها لا تقدم مجرد مرشح لشغل منصب، بل تضع جزءاً من رصيدها السياسي ومصداقيتها أمام اختبار الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ومن ثم، فإن مساءلة الاختيارات الحزبية ينبغي أن تبدأ من الجهات التي اقترحتها ودافعت عنها، لا من البحث عن طرف آخر لتحميله نتائجها. وإذا تبين لاحقاً أن وزيراً لم ينجح في أداء مهامه، أو أن تعيينه لم يكن موفقاً، فإن السؤال المنطقي يتعلق أولاً بالمعايير التي اعتمدتها الجهة التي رشحته، وبمدى قدرتها على تفسير أسباب اختيارها له.

ويبرز التناقض بصورة أوضح عندما يطالب بعض الفاعلين بإبعاد الأجهزة الأمنية عن المجال السياسي، والتشديد على ضرورة احترام استقلالية القرار الحزبي والمؤسساتي، ثم يعودون إلى تحميل هذه الأجهزة مسؤولية التعيينات الحكومية كلما ظهرت انتقادات أو أثيرت تساؤلات بشأن كفاءة أحد الوزراء. فكيف يمكن المطالبة بعدم تدخل الأمن في الاختيارات السياسية، ثم التعامل معه باعتباره المسؤول عن نتائج تلك الاختيارات؟

إن هذا المنطق يخلط بين اختصاصات مختلفة، ويغذي خطاباً يضع المؤسسات الأمنية في موقع المسؤول عن قرارات لا تدخل بالضرورة ضمن صلاحياتها. كما يسمح لبعض الأطراف بتجنب مواجهة الأسئلة المحرجة بشأن معايير الترشيح ومدى احترام الكفاءة والاستحقاق في توزيع المسؤوليات.

ويقتضي النقاش الموضوعي التمييز بين التدقيق الأمني الذي قد تفرضه القوانين والإجراءات المعمول بها في حالات محددة، وبين اتخاذ القرار السياسي المتعلق بتعيين وزير أو إعفائه. فممارسة الأجهزة المختصة لمهامها القانونية لا تعني أنها أصبحت صاحبة القرار في الاختيارات الحزبية، كما أن وجود إجراءات للتحقق والتدقيق لا ينقل تلقائياً إليها مسؤولية تقييم الأداء السياسي أو التدبيري للمسؤولين الحكوميين.

وبالمثل، فإن إثارة مسؤولية مؤسسة أمنية في واقعة معينة تظل أمراً ممكناً متى توفرت معطيات وأدلة على وجود تقصير يدخل ضمن اختصاصاتها، لكن تعميم الاتهامات أو تحويلها إلى تفسير جاهز لكل أزمة سياسية لا يخدم الحقيقة، بل يضعف النقاش العمومي ويصرف الانتباه عن الأسباب الفعلية للمشكلات.

وتكشف هذه الازدواجية عن خلل في التعامل مع مفهوم المسؤولية السياسية؛ إذ يميل البعض إلى احتساب النجاحات لفائدة الأحزاب والفاعلين الذين يقفون وراء التعيينات، بينما يجري البحث عن جهات أخرى لتحميلها تبعات الإخفاقات. وبدلاً من مراجعة الاختيارات والاعتراف بأوجه القصور، يتحول النقاش إلى تبادل الاتهامات، بما يسمح للجهة التي اتخذت القرار بالابتعاد عن دائرة المساءلة.

ولا يستقيم هذا المنطق مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يقتضي أن يتحمل كل طرف تبعات الصلاحيات التي يمارسها والقرارات التي يتخذها. فمن يملك سلطة اقتراح الأسماء أو الدفاع عنها مطالب بتبرير اختياراته، ومن يتولى منصباً حكومياً مسؤول عن أدائه، فيما تخضع المؤسسات الأخرى للمساءلة في حدود اختصاصاتها القانونية، لا وفق اتهامات مرسلة أو حسابات سياسية ظرفية.

كما أن إعفاء وزير من مهامه لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على مسؤولية الأجهزة الأمنية عن تعيينه، تماماً كما أن تعيينه لا يعفي الجهة التي اقترحته من مسؤولية تقييم مؤهلاته ومتابعة أدائه. فالقرار السياسي يظل مرتبطاً بالجهات التي تملكه، والمحاسبة ينبغي أن تتجه إلى أصحاب القرار وفق ما يثبت من وقائع ومعطيات.

إن بناء حياة سياسية أكثر نضجاً يمر عبر وضع حد لمحاولات التنصل من المسؤولية، والانتقال من تبادل الاتهامات إلى نقاش واضح بشأن معايير اختيار الوزراء، ومدى احترام الكفاءة والاستحقاق، وفعالية آليات التقييم والمحاسبة. فالمؤسسات لا تُحمى بإعفائها من المساءلة حين يثبت تقصيرها، كما لا تُحمى الحياة السياسية بتحويلها إلى شماعة لأخطاء لم ترتكبها.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن مطالبة الأحزاب بامتلاك استقلالية القرار السياسي، ثم إعفاؤها من تبعات اختياراتها عند ظهور النتائج غير المرغوب فيها. فالمسؤولية تبدأ من لحظة اقتراح المرشح، وتستمر خلال توليه مهامه، ولا يجوز نقلها إلى مؤسسة أخرى لمجرد أن نتائج القرار أصبحت موضع انتقاد. أما الاتهام، أياً كانت الجهة المستهدفة به، فلا يعوض الدليل، ولا يغني عن تحديد المسؤوليات وفق القانون والوقائع.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك