أنتلجنسيا:أبو جاسر
يفرض التقارب المحتمل بين تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية، في ظل تموقعهما ضمن المعارضة، التمييز بين تقاطع المصالح السياسية ووحدة المرجعيات الفكرية، إذ لا يكفي الوقوف في الخندق نفسه لتجاوز التناقضات العميقة التي تفصل بين مشروعين مختلفين في تصور الدولة والاقتصاد والمجتمع والحريات. فالمعارضة قد تجمع خصوماً إيديولوجيين حول قضايا مشتركة، لكنها لا تمحو ذاكرة الممارسة الحكومية ولا تعفي الأحزاب من مساءلة مواقفها السابقة.
ويستحضر هذا النقاش حصيلة عقد من المشاركة الحكومية لحزب العدالة والتنمية، الذي ارتبطت تجربته، وفق قراءة نقدية لسياساته، باستمرار اختيارات اقتصادية واجتماعية لم تنجح في إحداث القطيعة المطلوبة مع النموذج النيوليبرالي، بل ساهمت في تعميق النقاش حول حدود الدور الاجتماعي للدولة، ومدى قدرتها على حماية الفئات الهشة من تقلبات السوق وتراجع الخدمات العمومية.
ويكشف التدقيق في بعض القرارات الحكومية السابقة عن ملفات ما تزال تثير خلافاً سياسياً واجتماعياً واسعاً، وفي مقدمتها إصلاح أنظمة التقاعد الذي أثار اعتراضات نقابية بسبب انعكاساته على الأجراء، إلى جانب تحرير أسعار المحروقات في سياق لم يضمن، وفق منتقدي هذه السياسة، حماية كافية للمستهلك من تقلبات الأسعار واختلالات المنافسة. كما ارتبطت تلك المرحلة بتوسيع التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، ومواصلة مراجعة آليات الدعم العمومي، فيما بلغ معدل البطالة 12.3 في المائة سنة 2021، بحسب المعطيات الرسمية المتداولة عن تلك الفترة.
ويعيد هذا المسار إلى الواجهة سؤال المسؤولية السياسية عن الاختلالات التي عرفها قطاعا الصحة والتعليم، بعدما ظل المواطن المغربي يواجه صعوبات في الولوج إلى خدمات عمومية جيدة ومنصفة. ولم تكن التصريحات التي دافع فيها عبد الإله بنكيران عن تقليص تدخل الدولة في بعض المجالات الاجتماعية سوى تعبير عن توجه اقتصادي واجه انتقادات واسعة، خصوصاً من المدافعين عن مركزية المرفق العمومي باعتباره حقاً للمواطن، لا خدمة مرتبطة بقدرته على الأداء.
ويضع هذا السجل الاقتصادي والاجتماعي حزب العدالة والتنمية أمام اختبار التوفيق بين خطابه المعارض اليوم والقرارات التي دافع عنها أو شارك في اتخاذها خلال وجوده في الحكومة، إذ لا يمكن اختزال تقييم التجربة في نزاهة بعض المسؤولين أو في الشعارات المرفوعة، بل يقتضي أيضاً مساءلة السياسات العمومية عن آثارها على الأجراء والطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل.
ويقدم تحالف اليسار، في المقابل، تصوراً مختلفاً للدولة الاجتماعية، يقوم على إعادة الاعتبار للمرافق العمومية، وضمان تعليم مجاني وجيد، وخدمات صحية متاحة للجميع، وتوزيع أكثر عدالة للثروة والفرص بين الجهات والفئات الاجتماعية. وينطلق هذا التصور من اعتبار الحقوق الأساسية التزامات تقع على عاتق الدولة، ولا يجوز إخضاعها بالكامل لمنطق السوق أو ربط جودتها بالمستوى الاقتصادي للمواطن.
وينتقل الاختلاف بين الطرفين من الاقتصاد إلى طبيعة النظام السياسي وآليات توزيع السلطة ومراقبتها، إذ تبنى حزب العدالة والتنمية خطاب الإصلاح في إطار المؤسسات القائمة، وظل عملياً يتحرك ضمن حدود النظام الدستوري الذي يمنح الملك اختصاصات تنفيذية واسعة. أما تحالف اليسار، فتتأسس رؤيته الديمقراطية على المطالبة بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، بما يجعل الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية والمسؤولة أمام البرلمان مركزاً أساسياً للقرار التنفيذي والمحاسبة السياسية.
ويبرز التباين كذلك في قضايا المجتمع والحريات الفردية والمساواة بين النساء والرجال وحرية الضمير، حيث يستند حزب العدالة والتنمية إلى مرجعية محافظة في عدد من المواقف الاجتماعية، بينما يدافع اليسار، بدرجات متفاوتة بين مكوناته، عن توسيع الحريات وتعزيز المساواة وحماية الحقوق الفردية وفق المرجعية الكونية لحقوق الإنسان. ولا يتعلق الأمر هنا بخلاف تكتيكي عابر، بل بتباين في المنطلقات الفكرية وفي الحدود التي يرسمها كل مشروع للعلاقة بين الدولة والفرد والمجتمع.
وتتجاوز هذه الفوارق البرامج الانتخابية لتصل إلى محطات سياسية اختبرت مواقف الحزبين من القضايا الحقوقية والسيادية، وفي مقدمتها حراك الريف الذي أثار تدبيره الرسمي انتقادات واسعة، بعدما تبنى بلاغ مشترك صدر عن أحزاب الأغلبية الحكومية آنذاك لغة اتهمت الحراك بنزعات انفصالية، وهو موقف ارتبط بجدل كبير حول التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية وحدود المسؤولية السياسية في حماية الحق في التعبير والتظاهر السلمي.
ويستحضر النقاش أيضاً توقيع سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة، الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي في دجنبر 2020، المرتبط باستئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل، وهي خطوة أثارت رفضاً واسعاً لدى قوى سياسية وحقوقية، وفي مقدمتها مكونات يسارية جعلت مناهضة التطبيع والدفاع عن القضية الفلسطينية جزءاً من خطابها ومواقفها المعلنة. وتكشف هذه المحطة عن حجم التباعد بين المرجعيات المعلنة والاختيارات التي اتخذها الحزب عندما أصبح مسؤولاً عن تدبير السلطة التنفيذية.
ويجسد الدفاع عن الحريات ومناهضة الاعتقال السياسي ورفض التطبيع عناصر مركزية في المسار النضالي لعدد من مكونات اليسار المغربي، كما أن قطاعات من التيار الإسلامي تتبنى بدورها مواقف رافضة للتطبيع ومدافعة عن الحقوق السياسية. غير أن تجربة العدالة والتنمية الحكومية أظهرت أن المواقف المعلنة قد تصطدم بحسابات السلطة والتزاماتها، وهو ما يجعل الوفاء للمبادئ معياراً لاختبار الأحزاب عندما تنتقل من موقع الاحتجاج إلى موقع القرار.
ولا يعني هذا التباعد الفكري والسياسي أن التقاطع بين الطرفين يصبح مستحيلاً، إذ يمكن لتحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية الالتقاء حول قضايا محددة، مثل محاربة الفساد، وحماية المال العام، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، ومراقبة العمل الحكومي، والمطالبة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتظل هذه الملفات مجالاً مشروعاً للتعاون السياسي متى استند إلى مواقف واضحة والتزامات قابلة للتقييم، بعيداً عن محاولات تسويق التقارب الظرفي باعتباره اندماجاً في الرؤية أو المرجعية.
ويقتضي الإنصاف السياسي الإقرار بأن عدداً من مناضلي حزب العدالة والتنمية ومنتخبيه اكتسبوا سمعة طيبة في النزاهة الشخصية والتدبير النظيف، وهي خصلة تستحق التقدير بصرف النظر عن الاختلاف الإيديولوجي. لكن النزاهة الفردية، على أهميتها، لا تختزل المشروع السياسي في شخصياته، ولا تعفي الحزب من تقييم اختياراته الاقتصادية والاجتماعية ومواقفه من الديمقراطية والحريات والقضايا الوطنية والدولية.
ويفرض هذا التمييز على اليسار التعامل مع حزب العدالة والتنمية باعتباره فاعلاً سياسياً يمكن الاتفاق معه في ملفات والاختلاف معه في أخرى، لا باعتباره حليفاً استراتيجياً لمجرد وجوده في المعارضة. فالمعيار الحقيقي لأي تقارب ينبغي أن يكون طبيعة القضية المطروحة، ومدى انسجام الموقف المتخذ بشأنها مع المبادئ الديمقراطية والاجتماعية والحقوقية التي يدافع عنها كل طرف.
ويخلص هذا النقاش إلى أن وحدة الموقع داخل المعارضة لا تعني وحدة المشروع السياسي، وأن التنسيق ضد الفساد أو دفاعاً عن المال العام لا يستوجب التنازل عن الاختلافات المرتبطة بطبيعة الدولة والعدالة الاجتماعية والحريات الفردية ومناهضة التطبيع. فاليسار يستطيع أن يخوض معارك مشتركة مع العدالة والتنمية من دون أن يتبنى تصوره للاقتصاد أو المجتمع أو السلطة، كما يستطيع أن يقدر النزاهة الشخصية لبعض منتسبيه من دون أن يمنح التجربة الحكومية للحزب صك براءة سياسية.
وتبقى الخلاصة أن التحالفات الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأصوات التي تجمعها أو بحجم الخصوم الذين تواجههم، بل بوضوح أهدافها وحدودها وقدرتها على صون استقلالية المواقف. ومن ثم، فإن أي تنسيق بين اليسار والعدالة والتنمية يظل رهيناً بقدرته على خدمة قضايا ملموسة، من دون طمس الفوارق الجوهرية بين مشروع اجتماعي يسعى إلى توسيع دور الدولة في ضمان الحقوق، ومشروع محافظ راكم تجربة حكومية تستحق المساءلة والتقييم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك