أنتلجنسيا:أبو جاسر
عادت قضية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد وتربية المواشي لتطفو على سطح النقاش داخل مجلس النواب، وسط تحركات مكثفة للمعارضة ومحاولات مضادة من الأغلبية، في صراع يبدو أقرب إلى اختبار القوة منه إلى بحث فعلي عن الحقيقة.
المعطيات المتوفرة تفيد بأن مكونات المعارضة داخل الغرفة الأولى اختارت توجيه مراسلات متفرقة إلى رؤساء فرق الأغلبية، تدعوهم فيها إلى الانضمام إلى مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق، في خطوة تعكس محاولة جديدة لإحياء مشروع سبق أن سقط في مرحلة أولى بعدما فشلت المعارضة في جمع العدد القانوني من التوقيعات، المحدد في ثلث أعضاء المجلس.
وبحسب مصادر برلمانية، فإن هذا التعثر السابق لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على المبادرة الحالية، حيث يُنظر إليها داخل كواليس المجلس على أنها إعادة تدوير لمحاولة لم تكتمل شروطها الدستورية، ما يجعل فرص نجاحها مرتبطة بشكل كبير بموقف الأغلبية التي تدرس الآن مضمون الطلبات قبل إعلان قرارها النهائي.
غير أن أجواء الترقب هذه لا تخفي مؤشرات تشاؤم سياسي، إذ ترجح نفس المصادر أن مسار تشكيل اللجنة قد يصطدم مجددًا بعقبة الزمن التشريعي، مع اقتراب نهاية الولاية الحالية، وهو ما قد يحول دون استكمال الإجراءات أو إخراج المبادرة إلى حيّز التنفيذ.
داخل معسكر الأغلبية، تُطرح مقاربة مختلفة تعتبر أن طريقة تدبير هذا الملف تُعمّق الاستقطاب داخل المؤسسة التشريعية بدل أن تفتح باب التوافق، حيث يُسجَّل تحفظ على ما تعتبره “مبادرة غير توافقية” جاءت من طرف المعارضة دون تشاور مسبق أو أرضية مشتركة، ما يجعلها عرضة للتجاذب السياسي أكثر من كونها آلية رقابية خالصة.
وتذهب بعض الأصوات من داخل الأغلبية إلى التأكيد على أن تشكيل لجان تقصي الحقائق في حد ذاته ليس محل خلاف مبدئي، بل يُنظر إليه كأداة رقابية مشروعة، غير أن الإشكال—وفق الطرح نفسه—يكمن في حصر النقاش في ملف واحد مع تجاهل إمكانية فتح نقاش أوسع يشمل منظومة الدعم العمومي برمتها، بدل الاكتفاء بزاوية جزئية قد تُستغل سياسياً في لحظة انتخابية حساسة.
في المقابل، تتمسك المعارضة بمطلبها دون تراجع، معتبرة أن فتح هذا الملف تحديدًا قد يكشف معطيات غير متوقعة حول تدبير الدعم الحكومي الموجه للقطاع الفلاحي، وهو ما يفسر، حسب وجهة نظرها، حالة التحفظ التي تبديها مكونات من الأغلبية إزاء المبادرة.
ومن الناحية القانونية، يتيح النظام الداخلي لمجلس النواب إمكانية تشكيل لجان مؤقتة لتقصي الحقائق إما بمبادرة ملكية أو بطلب من ثلث أعضاء الغرفة الأولى، على أن يتم إشعار رئيس الحكومة ورئاسة مجلس المستشارين داخل آجال محددة، قبل أن تُنجز اللجنة تقريرها الذي قد يصل، في بعض الحالات، إلى الإحالة على القضاء.
ورغم الطابع المؤقت لهذه اللجان، فإن تاريخ العمل البرلماني بالمغرب يكشف أنها لطالما ارتبطت بملفات سياسية حساسة، من أحداث اجتماعية وأمنية إلى قضايا مالية وإدارية كبرى، ما يجعل أي محاولة لتفعيلها اليوم محاطة بقدر كبير من الترقب والقراءة السياسية المتباينة.
وبين إصرار المعارضة على الدفع نحو التحقيق، وتريث الأغلبية التي تربط القرار بسقف التوافق والجدوى السياسية، يبقى مصير هذه اللجنة معلقًا في منطقة رمادية، قد تحسمها حسابات اللحظات الأخيرة أكثر مما تحسمها مقتضيات الرقابة البرلمانية الصرفة، في مشهد يعكس مرة أخرى أن الصراع داخل المؤسسة التشريعية لا يدور فقط حول الملفات، بل حول من يملك حق تعريفها وتوجيهها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك