مأزق الإسلاموية بين البنية الفكرية وإكراهات الدولة الحديثة:قراءة نقدية في أطروحة ياسر الزعاترة

مأزق الإسلاموية بين البنية الفكرية وإكراهات الدولة الحديثة:قراءة نقدية في أطروحة ياسر الزعاترة
تقارير / الإثنين 05 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

المقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية تفكيكية لكتاب ياسر الزعاترة "لماذا يفشل الإسلاميون سياسياً؟"، الذي يمثل محاولة نادرة في الخطاب العربي لنقل مساءلة فشل حركات الإسلام السياسي من العوامل الخارجية (القمع، المؤامرة) إلى العوامل الداخلية البنيوية. تنطلق الدراسة من تحليل الأطروحة المركزية للزعاترة، التي ترى أن الفشل مرتبط بخلل في تصور الإسلاميين للسياسة والدولة والشرعية، ثم تنتقل إلى نقد حدود هذه الأطروحة، خاصة فيما يتعلق بـتعميم الفشل على أطياف الحركة الإسلامية المختلفة وإهمال السياق السلطوي العربي الذي يمارس الإقصاء المسبق. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في كونه يفتح الباب أمام سؤال أعمق: هل الفشل إجرائي سياسي أم هو أزمة معرفية في العلاقة بين الدين والدولة الحديثة، وكيف يتحول هذا الفشل إلى مأزق يغذي الراديكالية في ظل انسداد الأفق السياسي.

سياق السؤال ومركزية الأطروحة

شهدت تجارب حركات الإسلام السياسي في الحكم، خاصة بعد موجة "الربيع العربي"، تراجعا ملحوظا وفشلا في تثبيت أقدامها، مما أعاد طرح سؤال الفشل بحدة. وفي هذا السياق، يبرز كتاب ياسر الزعاترة "لماذا يفشل الإسلاميون سياسياً؟" كـنقطة تحول في مقاربة الظاهرة، حيث يرفض الاكتفاء بـسردية الضحية التي تعزو الفشل حصرا إلى القمع والمؤامرة .

تتمحور أطروحة الزعاترة حول فكرة أن فشل الإسلاميين ليس ظرفيا، بل هو بنيوي مرتبط بـتصورهم للسياسة ذاتها. فهم لا يدخلون المجال السياسي كفاعلين مدنيين يقبلون قواعد اللعبة التعددية، بل كـحملة رسالة أخلاقية يرون أنفسهم ممثلين لـلحق والإسلام . هذا التصور، بحسب الزعاترة، يولد ثلاث أزمات متداخلة تشكل جوهر الفشل: 

أزمة المفهوم 

 تعكس هذه الأزمات المتداخلة اختلالا عميقا في تصور الفعل السياسي ذاته، حيث ينظر إلى السياسة لا باعتبارها آلية لإدارة الاختلاف وتنظيم التعدد، بل كوسيلة لفرض “الحق” كما يتصور ذاتيا وهو ما يفضي عمليا إلى العجز عن تقبل الهزيمة الانتخابية أو التعايش مع الخصوم داخل المجال العام. 

أزمة الدولة  

ويتعزز هذا الخلل عبر مقاربة الدولة بوصفها غنيمة سلطوية ينبغي السيطرة عليها، لا منظومة مؤسسات وقواعد محايدة تخضع لمنطق الاستمرارية والحكامة، الأمر الذي ينعكس ضعفا في بناء المؤسسات وغيابا لرؤية إدارية حديثة قادرة على التدبير الفعال. 

ازمة الشرعية 

 ويكتمل هذا المسار المأزوم بتغليب الشرعية القيمية، القائمة على الادعاء بتمثيل الإسلام أو المشروع الأخلاقي على حساب الشرعية الإجرائية المبنية على البرامج والتعاقد السياسي والمساءلة، مما يؤدي في النهاية إلى علاقة هشة مع الجمهور، ويقوض أسس المحاسبة الديمقراطية، ويحول الفاعل السياسي من طرف خاضع للتقييم الشعبي إلى ذات متعالية تدعي امتلاك الحقيقة.

إن القوة الأساسية للكتاب تكمن في كسر سردية التبرير ونقل النقاش من البعد الأمني إلى البعد الفكري السياسي، مما يفرض على الفاعل الإسلامي مساءلة ذاته حول فهم معنى الحكم .

القراءة النقدية: حدود الأطروحة وإكراهات السياق

على الرغم من أهمية الأطروحة، فإن إعادة قراءتها أكاديميا تقتضي تفكيك حدودها، التي تكمن في نقطتين أساسيتين: التعميم وإهمال السياق السلطوي.

1. إشكالية التعميم والتصنيف

يميل الزعاترة إلى التعامل مع "الإسلاميين" كـكتلة واحدة متجانسة، مما يطمس الفروق الجوهرية بين أطياف الحركة الإسلامية . فـالإسلاميون الديمقراطيون الذين قبلوا بالانتخابات والتعددية (مثل حركة النهضة في تونس أو حزب العدالة والتنمية في المغرب) يختلفون جذريا عن السلفية الحركية أو الحركات الجهادية في تصورهم للدولة والسياسة. إن هذا التعميم يقلل من شأن المراجعات الفكرية التي قامت بها بعض الحركات، والتي حاولت الفصل بين الدعوي والسياسي، والقبول بـالشرعية الإجرائية كأولوية .

2. إهمال منطق الإقصاء المسبق

تبالغ الأطروحة في التركيز على الخلل البنيوي الداخلي للإسلاميين، مما يؤدي إلى تقزيم دور السياق السلطوي العربي . فالدولة العربية الحديثة، في معظم تجلياتها، بنيت على أساس الإقصاء المسبق لأي فاعل سياسي يمتلك شرعية شعبية أو أيديولوجية منافسة. إن بنية الدولة العميقة وحدود الانتقال الديمقراطي في المنطقة تجعل من فشل الإسلاميين نتيجة حتمية لـمنطق اللعبة الذي لم يسمح لهم فيه بالنجاح، حتى لو قاموا بمراجعاتهم الفكرية كاملة .

"لا يمكن الحكم عليهم [الإسلاميين] إلا في مناخ سياسي سليم وحياة ديمقراطية جدية تتوفر على الحد الأدنى من [النزاهة]" .

إن الفشل هنا ليس نابعاً فقط من عجز الإسلاميين عن فهم معنى الحكم، بل أيضا من فشل الدولة في إدماجهم، وفشل النخب في بناء تعاقد وطني يحمي التعدد .

الفشل السياسي والأزمة المعرفية: نحو قراءة تفكيكية

إن القراءة التفكيكية لأطروحة الزعاترة تقودنا إلى سؤال أعمق: هل الفشل الذي يتحدث عنه الكتاب هو فشل سياسي إجرائي أم هو أزمة معرفية  في العلاقة بين الفكر الإسلامي ومفهوم الدولة الحديثة؟

يرى بعض الباحثين أن الإسلاميين المعاصرين ظلوا دون مستوى حركة الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر (مثل الأفغاني ومحمد عبده)، التي كانت أكثر استعدادا لـفصل اللاهوتي عن السياسي والاعتماد على فن التأويلية المعاصرة . فـالرؤية التي تمزج بين الدين والدولة وتتخذ من المدينة الإسلامية (المدينة المنورة في عهدها النبوي) متخيلا سياسيا تصطدم بواقع الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات والقواعد العلمانية  

يكشف التوتر القائم بين الفكر الإسلامي التقليدي، كما يتجلى في المقاربات السائدة لدى عدد من الفاعلين الإسلاميين، وبين متطلبات الدولة الحديثة، عن فجوة بنيوية في فهم السياسة والدولة والشرعية. ففي التصور التقليدي، تختزل السياسة في كونها أداة لتطبيق الحق وتجسيد “الرسالة الأخلاقية”، لا باعتبارها مجالًا لإدارة الاختلاف وتنظيم المصالح المتعارضة داخل المجتمع. هذا الفهم يجعل الفعل السياسي امتدادا للوعظ الديني، ويحول الخلاف السياسي إلى خلاف قيمي أو عقدي، بما يضعف إمكانية التعايش مع التعدد والقبول بنتائج التنافس الديمقراطي.

بهذا المعنى، لا يكمن الإشكال في حضور القيم الدينية في المجال العمومي، بل في تحويلها إلى بديل عن التعاقد السياسي، وفي العجز عن الانتقال من منطق “الرسالة” إلى منطق “الإدارة”، ومن تمثيل “الحق المطلق” إلى تدبير التعدد والاختلاف داخل إطار قانوني مشترك.

إن هذا التباين المعرفي هو ما يجعل الإسلاميين عاجزين عن تقديم مشروع واقعي للحكم وموثوق به وقابل للحياة في سياق الحداثة السياسية .

الفشل والراديكالية: انسداد الأفق

يفتح الكتاب الباب أمام سؤال العلاقة بين الفشل السياسي وتوليد التطرف. فالخطاب الأمني والإعلامي يشيع أن الأفكار المتطرفة هي التي تنتج العنف. غير أن القراءة النقدية تشير إلى أن التطرف لا ينتج بالقراءة، بل بـ انسداد الأفق . عندما يفشل الفاعل الإسلامي في تحقيق أهدافه عبر القنوات السياسية المشروعة، ويواجه إقصاء مسبقا من النظام يتحول هذا الفشل إلى هزيمة نفسية وإحباط سياسي يغذي البحث عن يقين تعويضي .

وهنا، يصبح النص الديني أو الفكري مجرد أداة في يد القارئ المهزوم أو المقصى، وليس سببا مباشرا للراديكالية. إن السياسة المغلقة التي لا تستوعب الفاعلين المختلفين هي التي تنتج الراديكالية، بغض النظر عن الفاعل .

الخاتمة

يمثل كتاب ياسر الزعاترة "لماذا يفشل الإسلاميون سياسياً؟" مساهمة فكرية هامة في نقد الذات داخل الخطاب الإسلامي. لقد نجح الكتاب في تحديد الخلل البنيوي في تصور الإسلاميين للسياسة والدولة، وكسر سردية الضحية المطلقة.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي تجاوز حدود التعميم وإعادة إدراج إكراهات السياق السلطوي كعامل حاسم في الفشل. إن مأزق الإسلاموية اليوم ليس مجرد فشل في الوصول إلى الحكم أو إدارته، بل هو أزمة معرفية عميقة في كيفية التوفيق بين الرؤية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة والمواطنة.

إن الفشل ليس قدرا، بل هو نتيجة تضافر بنية فكرية لم تراجع ذاتها بعمق، وسياق سياسي لم يسمح بالمراجعة . وتظل القيمة الأكاديمية للكتاب في كونه يطرح السؤال الصحيح في الاتجاه الصحيح، داعيا إلى إعادة بناء نظرية سياسية إسلامية جديدة تتجاوز المتخيل السلطوي التقليدي وتتبنى الشرعية الإجرائية كقاعدة لا كاستثناء.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك