أنتلجنسيا:أبو فراس
أعاد صلاح الوديع الناشط الحقوقي المعروف والمعتقل السياسي السابق، نشر رسالته المشهورة إلى "جلاد درب مولاي الشريف".
وجاء نشر الرسالة المذكورة، والتي سبق أن خرجت للعلن في شهر أبريل من سنة 1999، على خلفية الخرجات العنترية الأخير للكوميسير عرشان.
وهذا النص الكامل لرسالة صلاح الوديع:
قبل كل شيء، أعتذر للقراء والمتتبعين عن عنف الصور والتعابير، فهذه حقائق من واجب الجميع الاطلاع عليها. أنشر أسفله الرسالة المفتوحة "إلى جلاد درب مولاي الشريف"، وهي ليست وليدة اليوم، فقد نشرتها في شهر أبريل سنة 1999، أي منذ 27 سنة.
المناسبة شرط، لذلك أنشرها مجددا لتقرأها الأجيال التي لم تطلع على ما كان يومها خبز المغاربة اليومي، ولكي أضعها رهن إشارة كل من يسأل عنها من أصدقاء وصحفيين ومهتمين.
أنشرها كذلك في سياق ما رأيناه جميعا تحت قبة البرلمان، من إنكار للحقائق، دون أن يرف جفن لنخبتنا البرلمانية والحكومية إلى حد الساعة، والحال أن أغلب أحزاب التحالف الحكومي معنية بالتقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، الذي وثّق تلك الحقائق وأكدها بالتفصيل سنة 2006، حيث نُشر مباشرة، بأمر ملكي، على أوسع نطاق.
نُشرت الرسالة المفتوحة على صفحات جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، التي كان يرأسها الراحل عبد الرحمن اليوسفي، وهو وزير أول آنذاك، كما نُشرت بصيغتها الفرنسية في جريدة "ليبراسيون"، تحت رئاسة الأستاذ محمد الكحص.
رسالة مفتوحة إلى جلاد معتقل درب مولاي الشريف
الرعب والحرية لا يلتقيان - 16 أبريل 1999
هذه رسالة موجهة من مواطن إلى موظف سامٍ.
وهي صادرة عن تصور بسيط مفاده أن الدولة وُجدت لتحمي أرواح الناس وممتلكاتهم وسلامتهم.
هي رسالة تتناول موضوعا ليس ككل الموضوعات.
وتتوجه إلى موظف سامٍ ليس ككل الموظفين السامين.
وهي مكاشفة علنية متعمدة، عن سبق إصرار، في موضوع طالما أثار الرعب في المغاربة، حتى باتت حياتهم موسومة به ومستوعبة إياه.
هي رسالة صادرة عن مواطن يعتقد، عن اقتناع، أن الحديث في هذا الموضوع يشكل مسؤولية أخلاقية تجاه نفسه، وتجاه المواطنين، وتجاه الضحايا السابقين والمحتملين، وتجاه الأجيال الصاعدة، وتجاه التاريخ، وتجاه الدولة نفسها.
وصاحب الرسالة، فوق هذا وذاك، ينتمي إلى جيل يصعب عليه أن يفهم من الديمقراطية أقل مما تعانيه، أو غير ما تعنيه من سيادة للقانون وتساوٍ للناس، كل الناس، أمام سلطانه.
هي رسالة تنطلق من زاوية محددة، تترجم في سؤال بسيط قوامه: هل تتآلف الحرية والرعب؟
هي رسالة تهتك الحجب وتصطف في جدول الشفافية الحارقة، ولكن الضرورية، من أجل مغرب ديمقراطي حقيقة، لا وهما أو ادعاء.
هل يمكن لجميع تجليات الحرية، كما صاغتها المواثيق الدولية التي يتبناها المغرب اليوم، أن تتآلف مع إرث قريب، مليء بالرعب والخوف والظلام؟
الآن، والمغرب يتلمس عتبة انتقاله الديمقراطي، هل يمكن الحديث عن الديمقراطية وبلادنا لم تصفِّ بعد تركة مخزون الفزع الذي سكن قلوب الناس عقودا، حتى أصبحت رقابة الذات على نفسها أشد سطوة وحضورا؟
هل يمكن الادعاء بأننا أصبحنا شركاء في مواطنة واحدة، والمصلوبون ينوؤون بالوشم الحارق على أجسادهم، والجلادون ينوؤون بكوابيسهم السوداء؟
هل يمكن طي صفحة الماضي ونحن لا نعلم هل دخلت شبكات التعذيب والاختطاف في عرف الماضي، أم إنها لا تزال بيننا، كما كانت في الماضي، قائمة على هامش القانون؟
لا، يا سيدي.
لا بد من مكاشفة أمام الملأ، وجها لوجه، وبلا وسطاء، فالأمر يهم المغاربة جميعهم، ويهم مستقبلهم الذي هو مستقبل أبنائهم، بمن فيهم أبنائي وأبناؤك أنت كذلك.
ولعلك، بادئ الأمر، لا تذكرني.
سأذكرك، رغم اقتناعي بأنك تذكرني جيدا، لسبب بسيط، وهو أن عملك يتطلب من صاحبه ذاكرة قوية تحفظ الأسماء والألقاب والألوان والروائح، بل ومواضع الشامات على الأجساد، بل وحتى العورات نفسها.
أفترض أنك تتذكر أجسادنا أكثر مما تتذكر وجوهنا، فالوجوه في حضرتك كانت دائما ملفوفة في كفن أبيض يسمى العصابة.
ستكون مصارحتي لك مؤلمة وجارحة، دون شك.
لكنني لا أرى حلا آخر، وعليك أن تتقبل كلامي إلى نهايته.
أصارحك بأنني أتساءل باستمرار: هل تستطيع أن تنام بشكل طبيعي، أم تزور كوابيسك الجماجم والعظام؟ وهل ترتعد فرائصك حين يقف على مضجعك شبح من الأشباح أو طيف من الأطياف؟
هل تستطيع الجلوس إلى أبنائك عند حلول الليل لتحكي لهم عن الأميرة النائمة، وعن الساحرة التي تحرق الأخضر واليابس، وعن الغيلان المختبئة وراء أغصان الصبار الشائكة، وعن البطل الشجاع الذي يقهر الأشرار ويوقظ الأميرة والحياة؟ إنهم يمسكون بك ويتشبثون بك، كما يتشبث كل أطفال الدنيا بآبائهم، ولا يدرون أن الرعب أقرب إليهم مما يتصورون.
أذكرك أنيقا بشكل لافت، أو قل متأنقا. لا تنتقل إلا بحاشية من الزبانية، تنشر على رقاب الناس جناحا أسود خُيّل إليّ أنك سميته، في إحدى جلسات الرعب، "هيبة الدولة".
هكذا كنت تتفرج على أسراك القابعين في الأقبية والدهاليز.
كنت أنيقا، فيما أذكر، تنتقي ملابسك وربطات عنقك، وتمشي الهوينى كلما حضرت إلى مقبرة الأحياء التي تسمى درب مولاي الشريف، فتنتشر في الجو رائحة نفاذة، هي رائحة الكولونيا.
تلك الكولونيا بالضبط.
تختلط في ذهني كولونياك بدخان التبغ الأصفر والجلد المحروق، وبرائحة أخرى، هي مزيج من الأوساخ وبقايا البراز.
أراك تستغرب!
من فضلك، تخلَّ عن هذا القناع!
أنا أعرف لماذا تذكرني رائحة الكولونيا تلك برائحة البول وبروائح أخرى، هي مزيج من الأوساخ وبقايا البراز.
كنت تحضر دائما حصص التعذيب، بل وتوجهها. كانت الخرق الوسخة تخنق أنفاس المصلوبين، فيما كنت أنت تلقي السؤال تلو السؤال، وقد اختنق المكان نفسه برائحة الكولونيا تلك.
لا شك أنك توافقني اليوم على أن لحقوق الإنسان رؤية أخرى أقل رذالة لاستعمال البول والخرق الوسخة.
قل لي، كيف تستطيع اليوم أن تنام، ولياليك تعج بالعظام والجماجم؟
الجماجم.
لعلك تذكر جمجمة عبد اللطيف؟
تسألني: من يكون عبد اللطيف؟
عبد اللطيف زروال، ذلك الشاب المغربي الودود الذي لفظ أنفاسه جراء تعذيب وتنكيل دام سبعة أيام بلياليها تحت تراب الكهوف السوداء، الكهوف التي مصت آخر نبضات قلبه الرائع.
مات تحت ضربات سياطكم، ودُفن تحت اسم غريب، ثم سُلّمت لأبيه المفجوع وأمه المحروقة ورقة علاها الاصفرار بعد ربع قرن من الانتظار، تؤكد الوفاة وتمتنع عن بيان مكان رفاته.
تقول أسماء أبو زكريا: "أخذوا والدي، وفي عمري سنتان. عرفته من خلال الصور وما يُحكى عنه. لم يعطوني فرصة لمعرفته في ذلك الوقت. والآن أطلب منهم فقط أن يعطوني ولو فرصة لمعرفة قبره. أريد زيارة قبره فقط!".
تقول أم عبد الحق الرويسي: "عمري الآن سبعون سنة، قضيت منها في انتظار ابني أكثر من ثلث قرن. أتمنى من الله أن تقر عيني برؤيته قبل الرحيل الأخير. فهل يصل دعائي إلى السماء، أم إنني لن أراه إلا في ملكوتها؟".
قالت أم المانوزي، تلخص حرقة الأمهات جميعا: "صدقت لمدة طويلة أنه حي يرزق، قد يأتي أعمى أو مكسور الرجلين، لا يهم. أريده إلى جانبي، مهما كانوا قد صنعوا به. أما الآن فلم أعد أنتظره، فقط، لو يدلوني على قبره".
لا تبكي يا سيدتي، أو فلنبك معا دمع الفقد والغضب. أما القبر، فقلوبنا كلنا تضم رفات الراحلين.
وأما أنت، فلن تستطيع أبدا أن تتصور لون دمعها المدرار، يا سيدي الموظف السامي، وأستطيع أنا أن أتصور أن للمجرة عيونا تغرورق اللحظة بالدموع.
هل تنام أنت بعد كل هذا؟
ترى، أين قبر عبد اللطيف؟ ترى، هل دُفن مكفنا أم بلا كفن؟ هل انتبه حفار قبره إلى ابتسامته الهادئة وهو ينفض يديه من تراب قبره السري؟
في مدينة برشيد، على بعد أربعين كيلومترا من الدار البيضاء، ما زال الحاج زروال يرفض أن يتسلم شهادة الوفاة الغريبة لابنه، حيث يُشهد على الموتى بلا مثوى. ما زال يعقوب ينتظر أوبة يوسف.
هيبة الدولة!
انظر، يا سيدي، ما فعلته هيبة الدولة بالبلاد.
55% من المغاربة يعانون من الأمية.
30% من المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر.
47% من المغاربة من الممكن أن يتحولوا إلى فقراء.
34% من الأطفال لا يتجاوزون في عالم الأحياء سنتهم الأولى.
125 هي رتبة بلادنا ضمن 175 أمة.
أصبحت البلاد مضرب الأمثال في استفحال الرشوة واستغلال النفوذ والترامي على الملك العام وتسريب المال المهرب من عرق الكادحين إلى الأبناك الخارجية، في رعونة قل نظيرها.
نزفت البلاد من دمها، واستيقظت ذات يوم وقد أصابها الوهن والضياع، وتمثل أمام عينيها الهلاك المحقق. وعلى مدار السنة، أصبح الآلاف يركبون سواد الموج وملح الظلام، هربا من أيامهم إلى نصيب مؤكد من الموت أو التشرد.
أما الصحة والسكن والملبس، لمن لم يهاجروا، فهي الرفاهية عينها، الرفاهية التي لا سبيل إليها إلا كما يُقبض الريح.
لا أظن أنك تدرك حقيقة ما تعنيه هذه الأشياء. الفقراء وحدهم يعرفون. نحن مغاربة، ونحن نقول: "ما يعرف المزود غير المضروب به".
هكذا إذن، فيما كانت البلاد تُساق رويدا إلى مآزقها، كنت تنحت هيبة الدولة على أجساد المصلوبين.
لم تكن وحدك. تزمامارت، وقلعة مكونة، والكوربيس، ودار المقري، واللائحة تطول. أوكار الرعب والفزع المنهجي المنظم كانت كلها تؤثث هذه الهيبة.
أمي حليمة. أم من أمهات الصبر والسنديان.
هي المرأة التي تباهي الدنيا بابنها عبد السلام.
هي كذلك لا تذكرها. لا بد من التفاصيل، مع ذلك.
أنت يزعجك مجرد ذكر التفاصيل. فكيف بمن عاشها زفرة زفرة!
كان عبد السلام يحلم بعالم متناسق جميل، وكان يدرك، في الوقت نفسه، أن وراء فوضى العالم قوة المصالح. اصطف دون تردد إلى جانب المستضعفين، وأدرك بنفاذ بصيرته أن القعر بلا قرار. وحين وضعتم الأصفاد في يديه، استعصى عليه أن يعود في لمح البصر إلى ظلمات القرون الوسطى. كان يصرخ بكل ما أوتي من إيمان. كان يحلم بمدينته الفاضلة، ويرفض "الهيبة" و"العبقرية" و"الحضارة" التي تتفتق عن لعلعة السياط على ظهور المعذبين.
لم تكن الغيلان تزوره وحده.
ميلود كذلك.
هل تذكر ميلود؟ هل تذكر ذلك الفتى البدوي السمهري النحيل، الباسق، الوسيم؟ طالب الإحصائيات البارز؟ قد لا تعلم أنه فقد عقله. أرجوك، لا تتصنع الأسى. لقد تساقطت أسنانه، واسود لونه، وهزلت عظامه، وارتد إلى قبر أمه، إلى أرحم الأحضان. لا، إنه لم يمت. فقط، في كل ليلة، يحمل غطاءه ويذهب إلى حيث تنام أمه نومتها الأبدية، يعانق قبرها ويستسلم للكرى، هربا من ذكراك!
هل تستطيع، بعد هذا، أن تنام؟
وهل تخاف من شيء؟
الحقيقة أن مرؤوسيك كانوا يخافونك. لا أدري كيف يستطيع الجلاد أن يخاف من شيء، لكنهم كانوا يخافونك فعلا، وسيكون على البشرية أن تفهم معنى أن يخاف الكابوس من الكابوس، ومعنى أن يخاف الجلاد من الجلاد.
باشا، أعني أمي باشا، هل تذكرها؟ لا، أنت لا تذكرها.
أنت تذكر ابنها عبد الله دون شك.
حين انتهى منه زبانيتك، اضطر إلى الزحف على مرفقيه وركبتيه طوال ثلاثة أشهر بأكملها، وهو عبارة عن كومة من الدم والضماد. هكذا كان يمضي إلى المرحاض في أقبية درب مولاي الشريف، وهكذا كان يعود منه.
أمي باشا كانت في وجهها عينان تشعان بنظرة ثاقبة، طافحة بشعور غامر بالكرامة. ماتت منذ شهور، وحين ذهبت لأعودها قبل أن تسلم الروح، وجدت العزة نفسها على القسمات نفسها. تحسستني لحظة، وكنت قد غبت عنها سنوات طوالا. قالت المحتضرة بلسان طليق، وهي تصارع الموت: "عرفتك! أنت ابن ثريا السقاط، يرحمها الله". كلمات المحتضرة لخّصت، يا سيدي، كل شيء. ليرحم الله جميع الأمهات، من سعدن بعناق فلذة الكبد ومن رحلن وفي حلوقهن غصة الفراق.
أنت ابن ثريا.
ثريا.
هل تذكرها هي كذلك؟
سأساعدك على ذلك ما استطعت.
ثريا، والدتي؟ لا تذكرها؟ كنت تسميها بالعاهرة.
ها أنت قد تذكرت! كنت لا تذكر اسمها إلا وقرنته بالعهر والسقوط. كل أمهات الأسرى كن عاهرات في عرفك، أما السجينات فحدّث أيها الطاهر ولا حرج!
اسأل خلايا الكفاح من أجل استقلال المغرب، اسأل عنها، وسيحدثك التاريخ عن مقامات العشق الصوفي الذي بوّأك المقعد الذي منه نكّلت بالأبناء، ولوّثت أعراض الأمهات، وكتبت إحدى أشد صفحات البلاد سوادا.
هناك صورة أحفظها لها مع محمد الخامس حين عودته من منفاه.
لا، لن أحدثك عنه. إنك لا تعرفه بالتأكيد، أعني أنك لا تعرف معنى أن تلتحم بلاد بكاملها، بكل أجيالها وطبقاتها، حاكميها ومحكوميها، من أجل استرداد كرامتها، لأن كلمة "كرامة" لا تعني لك شيئا ذا بال.
كم كانت الوجوه وضاءة في تلك الصورة!
لكنك لا يمكنك أن تعرف.
أنت تعرف الأرقام فقط.
"33"، هذا الرقم لا شك أنك تذكره.
كان حراسك يصرخون به ويمططونه، متندرين بتكرار التاء واللام. وكنت أدرك أن وراء كل صرخة به مأدبة من مآدبك، آتية لا ريب فيها، حتى أصبح لكل شبر في جسمي ذاكرته الخاصة الحميمية. وأذكر أن ذاكرة قدمي كانت من جليد وثلج، وأن ذاكرة يدي كانت من حديد، وأن ذاكرة عيني كانت من ظلام. كلما صرخوا بالرقم، انبجست ذاكرات جسدي كلها دفعة واحدة، من أدق خلاياه، مستقبلة الجحيم، مستنفرة كل طاقات الكينونة المهددة، وكل مسام الكيان المعزول المستباح لآلة الهمجية المتسيبة الرعناء.
كم من الأرقام تتابعت في سجلاتك؟ لم تكن تعني بالنسبة إليك أكثر من قيد وعصابة وجسد يتألم ويصرخ، كالقنبلة، بكل العنف المحصور في داخله، والسؤال الخنجر يحفر بين اللحم والعظم، فينز الدم المدرار ليسقي سواد الكهوف الرطبة.
في هذه الظروف الجهنمية، كانت تُحضّر الملفات تلو الملفات، ويُدفع بأفواج الشباب تلو بعضها إلى قرون من سنوات السجن، ويُرفع سيفها على الأعناق، في ظل محاكمات توفر فيها كل شيء، ما عدا العدل والإنصاف.
شُرّدت أسر، وخُرّبت آمال، ودُمّرت أحلام، ومرت طاحونة القهر على طموحات أجيال كاملة دون موجب حق.
اقرأ صفحة الماضي قبل أن تُطوى، أيها اللبيب.
اقرأ، فهي شاهدة على كل شيء.
اقرأ، فلا شيء يضيع، مهما أوهمتنا لحظة الجبروت. لا شيء يبقى إلا الحقيقة العارية.
كنت ترطن بالفرنسية، لا تشوبها شائبة، أو هكذا كان يخيل إليك، متوهما أن رطانتك دليل على انتمائها إلى زمن متحضر، ونسيت أنك انتميت إلى درك بائس، إلى أحط درك تستطيع البشرية أن تصله، وهو أن تنفي كينونتها الآدمية وتغرقها في سفالة الهمجية، ولا أقول الحيوانية، لأن للحيوان، مع ذلك، ترفعا عن السفالة ذاتها.
أنت تفهم، طبعا، أن الرعب لا يستهدف المصلوب في حد ذاته فقط. الهدف واضح: كل القوى الحية لهذا البلد.
اضرب سعدا ليخرس سعيد! هي وصفة قديمة. يُعطى المثال بالبعض، فلا يتجاوز الباقون الخطوط المرسومة، وفي ذلك "اقتصاد" للجهد والمال والوقت، ما دامت الرقابة الذاتية تكفي. كيف، إذن، للمبدع أن يتجرأ؟ وكيف يُراد للمفكر أن يحاور موضوعات زمانه الحارقة؟ وكيف يُراد لكل ذي حلم أن يزركش من حوله فضاء الدروب المكفهر؟ وكيف يتعبأ شعب لم يُنظَر إليه إلا كجانح بالقوة، في انتظار جنوحه بالفعل؟ وكيف يُراد للبلد أن يستنشق هواء الحياة ملء الرئتين؟
مخيف، يا سيدي، كل هذا المكبوت في وجدان شعب بكامله. حقا، إنه مخيف.
أسمع من ينادي بطي صفحات الماضي.
تتقاذفني آهات المصلوبين.
وتلاحقني الأيدي.
تتلاطم أمواج الليل بذاكرتي.
تومئ لي جمجمة الموتى.
مزّق حُجب الظلمة عن أعيننا.
مزّق أكفان الصمت.
كن أقوى من هذا الموت!
أعرف أن من الجلادين من يخجل من تاريخ يديه.
أعرف أن منهم من تقيأ حين رأى صفوف المصلوبين على محرقة الموتى.
حدث ذلك حين أتيتم بفوج جديد للحراسة، فيما أذكر.
ربما لم تحضروه نفسيا بما فيه الكفاية. لم يكن المسكين يتصور أن يرى الجحيم بأم عينيه. لم يزر خياله أبدا وضعا مثل ذاك، ينزلق فيه أبناء جلدته إلى قعر الهمجية، حيث تقضم عناكب الظلام طراوة الأعناق.
دخل المسكين فجأة، فرأى، وامتلأت خياشيمه برائحة الدهاليز الرطبة. مادت به الأرض وتقيأ كل شيء: الطعام والشراب والبلاد والحياة.
وفي المقابل، أعرف أن هناك من الجلادين من لا ينتظر إلا الفرصة السانحة ليعمل أنيابه في ضحاياه، تماما كما يفعل الوحش بفريسته، ودمها يترقرق طريا على التراب المبتل.
فمن تراك تكون اليوم بين هؤلاء؟
ومن أكون أنا، تسألني؟
أنا كما تعرفني تماما. قلبي لا يزال في مكانه، وأطرافي تحمل وشم ضيافتك، وأكتب الشعر.
في الدار البيضاء أقيم، وببلادي المغرب أهيم، وبه آمل أن أُدفن حين يحين الرحيل.
الجديد هو أن لي الآن ثلاثة أطفال، وأحد همومي الجديدة أن يأكلوا كسرة خبزهم مبللة بالكرامة، وأن يتعلموا محبة بلادهم المغرب، وأن يستحضروا عمق انتمائهم إلى حضارتهم وغنى انتمائهم إلى البشرية، وأن ينظروا إلى مخاطبيهم حين يتحدثون، وأن يصافحوا الأيادي، وألا يطأطئوا رؤوسهم لجبار.
وقد تتساءل عن مصير المئات ممن أقاموا ضيوفا عندك.
أنت تعلم، ولا شك، أن العشرات منهم ما زالوا يحملون الحب نفسه لهذه البلاد ويتفانون في خدمتها.
أنت تعرفهم واحدا واحدا، ولا شك أن عيونك ما زالت عليهم، لأنك، بكل بساطة، لم تتقن غير هذا.
جنيف.
جنيف ليست عاصمة لمال العظماء ومركزا لاصطيافهم فحسب، بل هي كذلك مقر اللجان التابعة للأمم المتحدة والمهتمة بحقوق الإنسان، ومنها لجنة مناهضة التعذيب، كما لا يخفى عليك.
كل هذا تعرفه طبعا.
ما أكرم هذا البلد، وما أكبر شطارته!
يؤدي لك الأجر مضاعفا لتقوم بالتنكيل بأبناء جلدتك، ثم يرسلك شاهدا على أنه لا تنكيل ولا يحزنون، وكل ما في الأمر حسد الحاسدين وكيد الكائدين!
أرأيت أمر هذه الألمعية الفذة؟
لا أدري من أفتى بتعيينك عضوا في الوفد الرسمي المأذون له بتقديم التقرير الدوري عن التعذيب في المغرب منذ سنتين، وكيف استطعت أن تجلس في مقر اللجنة بجنيف، في مقعدك الوثير، لتشرح المقتضيات وتعلق على الحواشي وتقول بالفم الملآن: أشهد ألا تعذيب في بلدي!
أي سقوط، وأية سفالة!
في الواقع، أنت كثير الأشغال، ولم يكن لديك وقت للانتباه إلى أن قيمة الآدمية قد شيدها البشر على مر العصور، حجرا حجرا.
أنت لم تسمع صرخة البشرية بعد الحرب الكونية الثانية: "يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء". (1) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 1.
ولم تستمع للشعر:
ولم تستمع للفكر: "واضح أن كل فرد يقدم على تعذيب امرئ لكونه ليس على رأيه، هو عبارة عن وحش". (فولتير)
لم تسمع كلام العلماء: "هناك بشر يعاملون الناس أنكى مما يعاملون الكلاب، لإرهابهم والقضاء عليهم وإركاعهم وسحقهم لنزع كل صفات الآدمية عن معارضيهم. يجب الكفاح ضد هذا العنف الذي يذل الإنسان، من يتعرض له ومن يقترفه على السواء". (فرانسوا جاكوب)
ولم تسمع كلام الصحابة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟". (عمر بن الخطاب)
ولا كلام التوراة: "من زرع الظلم يحصد السوء، وعصا حنقه تفنيه". (سفر الأمثال، العهد القديم)
ولم تسمع كلام الأنبياء: "لو بغى جبل على جبل لدُكَّ الباغي منهما". (حديث شريف)
ولم تسمع أجمل الكلام وأقدسه: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم، فلا تظالموا". (حديث قدسي)
تهجَّ هذا الكلام حرفا حرفا.
اقرأه كلمة كلمة، وحين تحس بقشعريرة الخشوع، فربما تغتسل روحك في ثناياه.
الحقيقة أنه لم يكن لديك وقت لأي شيء آخر.
حين أستعيد عدد الأيام والليالي التي انتزعتها من حياتي، وأتصور عدد الشواطئ التي لم أستحم بها، وروائع الأفلام التي لم أشاهدها، والكلثوميات التي لم تجد إلى أذني طريقا، ومباريات الكرة التي لم ألعبها، والكتب التي لم أقرأها، والكلمات التي لم أقلها، والحروف التي لم أكتبها، والطرقات التي لم أمشها، والأصدقاء الذين لم أسامرهم، والأشجار التي لم أتفيأ ظلها، وأبيات الشعر التي لم تغنِّ روحي، وكلمات الغزل التي لم أتهجَّها، والجبال التي لم أتسلقها.
حين يتناهى إلى سمعي صدى صراخ المصلوبين، المنبعث من حناجر حفرتها أخاديد الألم وأخرسها عواء الذئاب، وحين أستحضر وجوه أمهات الفقد، وألم النساء الجاثيات على أحزانهن، ونظرات الأطفال الذاهلة.
حين أتذكر عدد المرات التي عُلّقت فيها كما يُعلّق الحيوان من حوافره، ورائحة الخرق المبتلة بالبول التي خنقت أنفاسي، والسوط الذي أكل من لحمي النيء، وأدمى قدميَّ، وأبلى أظافري، وأطباق القصدير التي لعقت، والكاكي الذي كفنني، والقيد الذي أدمى معصمي، والعصابة التي شُدّت على عيني شهورا، والكلام الساقط الذي مُرّغت فيه أصولي وفصلي، والجلد الذي وُشم به ظهري.
حين أستعيد كل هذا، أتساءل.
أتساءل كيف نستطيع، أنت وأنا، أن ننتمي إلى الوطن نفسه، وأن نتفيأ الشجر نفسه، وتلفحنا الشمس نفسها، ويبللنا المطر نفسه، ونمشي في الطرقات نفسها، ونتحدث اللغة نفسها، ونؤمن بالمستقبل نفسه.
ومع ذلك، فأنا لست حاقدا عليك.
وقد تفاجئك قدرتي على الصفح والغفران.
لكنني لا أستطيع أن أشارك في مسرحية عنوانها النسيان، مسرحية سمجة تهدر حقوق الضحايا وتدمر ذاكرتنا الجماعية.
لست حاقدا ولا متشفيا.
ولكنني لست مستعدا للاستخفاف بالآلام، ولست مستعدا لترك الباب مشرعا أو مفتوحا أو حتى مواربا لعودة الامتهان والعسف والهوان. فأنا شاهد، ولا بد لي من الإدلاء بالشهادة، إنصافا للتاريخ وحرصا على المستقبل الذي لا نصنعه إلا بقدر ما نؤمن بأنه يهرب من أيدينا ويلتجئ إلى أصحابه، إلى الأجيال الصاعدة، بكل ما في كلمة الصعود من رائع المعنى.
أرجوك ألا تتذرع بسمعة البلاد الخارجية لتعترض على هذا الكلام.
قد لا تفهم أن كلاما كهذا أقوله لك علانية اليوم هو بالضبط نفحة الهواء التي تمنح البلاد دفقا من الحيوية فقدته منذ زمان.
ثم إنك لا تدرك أن مفهوم "الخارج" قد تكفلت الحياة بتغييره. فكل ما هنالك اليوم شؤون داخلية للبشرية جمعاء، أو يكاد.
ها هو الزمن الذي تحدث عنه ليبنتز دون أن يعيشه يقترب: "كل واحد مسؤول أمام الجميع عن كل ما يجري".
فليقفل هذا الباب بالقفل والمزلاج ثلاثا، وليُطَح بالمفتاح في الثلث الخالي من الدنيا.
السكوت عليك قد يصبح تواطؤا.
وسبق أن نبهتك إلى أن رسالتي هذه مؤلمة وموجعة.
ولكنها، في جميع الأحوال، أرحم من الصمت.
ولأنني مؤمن حقيقة بضرورة الانتقال الديمقراطي في المغرب، بلادي، لا بد أن أقول هذا الكلام، لأنني إن لم أجهر به، فسأساهم، بصمتي، في إقبار التاريخ، وفي السكوت على إهدار كرامة الناس، وتدمير الذاكرة الجمعية، وسأقر بالجبن والضعف أمام جبروت الظلم والامتهان، وأضحك على نفسي وعلى الآخرين إذا اعتقدت أن طي صفحة الماضي يعني التغاضي عنك وتركك حيث أنت، في موقع المتحكم في رقاب الناس.
من موقع الحرص على الانتقال الديمقراطي في المغرب إذن، ومن أجل إرساء الثقة والأمان الحقيقيين، لا بد من طي صفحة الرعب إلى الأبد.
فباسم قوافل المصلوبين في هذه البلاد.
وباسم قيم الكرامة اللصيقة بالإنسان.
وباسم النبض المتوهج في دماء بني البشر، والذي يسمى الحرية.
وباسم قيام العدالة الكونية التي بشرت بها أديان السماء، وتطلعت إليها أعناق البرية.
وباسم حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا.
علانية، إذ أُشهد المواطنين البسطاء، وكل الديمقراطيين والمؤمنين بالمستقبل، والقضاة النزهاء، ورجال الشرطة النظيفين الأكفاء، والوزراء المؤمنين بقيم حقوق الإنسان، وكل مسؤول في الدولة لم يلطخ يديه كما لطختها، أدعوك، يا سيدي، إلى أحد أمرين.
أن تكذّب أمام الملأ، بالحجة والبرهان، ما جاء في رسالتي هذه، وهذا حقك المطلق. وفي هذه الحالة، أنا على استعداد لمواجهتك علانية بالشكل الذي تراه يبرئ ذمتك.
أو أن تقر بأن ما قلته هو عين الحقيقة.
وفي هذه الحالة، فإنني أطلب منك أن تأتي، أنت ومن شاركك ومن أمرك ومن حماك ومن تستر عليك، إلى الناس وتطلب الصفح من ضحاياك، ثم أن تتخلى عن وظيفتك التي بواسطتها دست على القانون وامتهنت كرامة الناس.
وعند إقدامك على هذه الخطوات، ستجدني عند الباب أمد إليك يدي، مساعدا إياك على استرداد إنسانيتك.
يوم 26 يونيو 1999، ستخلد الأسرة الدولية، لآخر مرة في القرن العشرين، اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا التعذيب. أتمنى أن أصافحك يومها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك