لقجع يُعلن عن رزنامة إصلاحات اجتماعية واسعة ويضع قانون مالية 2027 أمام رهان التوازن ويفضح ادعاءات المعارضة

لقجع يُعلن عن رزنامة إصلاحات اجتماعية واسعة ويضع قانون مالية 2027 أمام رهان التوازن ويفضح ادعاءات المعارضة
سياسة / الجمعة 23 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

دافع فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، مقدماً إياه باعتباره المرحلة الأولى لتنزيل البرنامج الحكومي على امتداد خمس سنوات، ومؤكداً أن المرحلة المقبلة تستهدف إعادة التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وانتظارات المواطنين الاجتماعية، بالتوازي مع مواصلة تثمين المكتسبات الدبلوماسية التي حققتها المملكة المغربية في قضية الصحراء المغربية.

وأوضح لقجع، خلال تقديم المشروع أمام البرلمان، أن تقييم مدى وفاء الحكومة بالتزاماتها الانتخابية يقتضي مناقشة مضامين القانون وإجراءاته بصورة موضوعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانتقادات المتسرعة، معتبراً أن السنة المالية المقبلة تشكل بداية لمسار حكومي يتعين أن تتجسد أهدافه تدريجياً في سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

واستحضر المسؤول الحكومي التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح السنة التشريعية، التي دعت إلى جعل الولاية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة بناء المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع الحرص على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، بما يضمن انعكاس ثمار النمو على الظروف المعيشية للمواطنين.

وربط لقجع هذا التوجه بضرورة تجاوز الاختلالات التي عرفتها المرحلة السابقة، موضحاً أن الخطاب المتعلق ببناء الدولة الاجتماعية لم يواكبه، في بعض الجوانب، تحسن يتناسب مع حجم انتظارات المواطنين، وهو ما يستدعي، بحسب تشخيصه، إعادة النظر في العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدل التعامل معهما باعتبارهما مسارين منفصلين.

وانتقد الوزير ما وصفه بتغليب منطق السوق على الاعتبارات الاجتماعية، معتبراً أن الفصل بين السياسات الرامية إلى تحسين ظروف العيش والاختيارات الاقتصادية أفسح المجال، وفق تقييمه، لاتساع مظاهر الاحتكار والريع والوساطة الطفيلية وثقافة الربح السريع والفاحش، مستحضراً في هذا السياق مفهومي الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية لتوصيف المخاطر المرتبطة بإعطاء الأولوية للمصالح السوقية على حساب العدالة الاجتماعية.

وأكد أن بناء دولة اجتماعية قائمة على الإنصاف يقتضي الجمع بين تحفيز الاستثمار وخلق الثروة من جهة، وضمان توزيع أكثر عدالة لمنافع التنمية من جهة أخرى، بما يحد من الإقصاء ويعزز تكافؤ الفرص. ويضع هذا التصور مشروع قانون المالية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرة الاختيارات الاقتصادية على إنتاج نتائج اجتماعية ملموسة، لا الاكتفاء بتحقيق المؤشرات المالية والاقتصادية.

وفي معرض رده على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن التزاماتها الانتخابية، أشار لقجع إلى أن الانتخابات أفرزت تنافساً بين برامج متعددة، معتبراً أن نتائجها عكست تقدماً للمضامين الاجتماعية القائمة على التزامات وصفها بالواضحة والقابلة للتنفيذ. كما شدد على أن الحكومة تستند إلى أرضية سياسية واجتماعية مشتركة بين مكوناتها، وإلى مرجعيات ديمقراطية وتحديثية، فضلاً عن التوجيهات الملكية والبرنامج الحكومي.

ووجه الوزير انتقادات إلى أطراف من المعارضة، متهماً إياها بالتسرع في إصدار الأحكام والترويج لادعاءات بشأن التراجع عن الوعود الانتخابية، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وداعياً إلى اعتماد معارضة مسؤولة تستند إلى النقاش الموضوعي وتحترم ذكاء المواطنين، دون أن يلغي ذلك، بحسب تأكيده، أهمية الاختلاف السياسي في البناء الديمقراطي.

وفي الجانب الاجتماعي، كشف لقجع عن حزمة من التدابير التي تستهدف تحسين القدرة الشرائية للأسر وتوسيع الحماية الاجتماعية، تشمل رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم خلال سنة 2027، ومضاعفة معاشات الأرامل، وتحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز قيمتها 100 درهم، إلى جانب الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر ليصل إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031.

وأوضح أن الحد الأدنى للمعاشات، الذي يبلغ حالياً نحو 1000 درهم، سيرتفع إلى 1700 درهم، في إجراء يُرتقب أن يستفيد منه حوالي 500 ألف متقاعد، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة. ويروم هذا التدبير، وفق المعطيات التي قدمها الوزير، تحسين الموارد المالية للمتقاعدين ومساعدتهم على مواجهة تكاليف المعيشة، في ظل الأعباء المرتبطة بالسكن والتغذية والصحة وغيرها من النفقات الأساسية.

وأضاف أن الحكومة تعتزم رفع نسبة معاش الأرامل من 50 في المائة إلى 100 في المائة، بما يتيح لنحو 401 ألف أرملة الاستفادة من هذا الإجراء، في خطوة تستهدف تعزيز الحماية الاجتماعية للنساء اللواتي يعتمدن على هذه المعاشات لتغطية حاجياتهن اليومية. وقدر لقجع الكلفة الإجمالية للتدابير المتعلقة بالتقاعد والمعاشات بحوالي 10 مليارات درهم، مشيراً إلى ضرورة توفير الإمكانيات المالية اللازمة لتنفيذها.

وفي ما يتعلق بنفقات الطاقة، أعلن الوزير أن الدولة ستتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة نحو ستة ملايين زبون، أي ما يعادل 60 في المائة من مجموع الزبناء المعنيين، بكلفة تقدر بملياري درهم، على أن يدخل الإجراء حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير. ويستهدف هذا التدبير تخفيف الأعباء المرتبطة بالاستهلاك المنزلي، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر ذات الاستهلاك المحدود.

وبخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، أعلن لقجع عن الشروع في الرفع التدريجي للمبالغ المخصصة للأسر المستفيدة ابتداءً من يناير، مع تحديد مبلغ 600 درهم ضمن المرحلة المعلنة، وصولاً بصورة تدريجية إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031. وشدد على أن الدعم لا ينبغي اختزاله في تحويلات مالية، بل يتعين التعامل معه باعتباره حقاً للأسر المستحقة وآلية لتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز قدرتها على الاندماج في سوق الشغل.

واعتبر الوزير أن اشتغال أحد أفراد الأسرة لا ينبغي أن يشكل، في حد ذاته، سبباً لحرمانها من الدعم، ما دام استحقاقها قائماً وفق المعايير المعتمدة، في توجه يرمي إلى تفادي تحول ممارسة العمل إلى عامل إقصاء من منظومة المساعدة الاجتماعية، مع الحفاظ على ضوابط الاستفادة وتوجيه الموارد إلى الفئات المعنية.

وكشف لقجع، في السياق ذاته، عن توجه نحو مراجعة معايير تحديد الأسر المستفيدة، من خلال الانتقال التدريجي من الاعتماد على المؤشر السوسيو اقتصادي إلى اتخاذ الدخل الأسري معياراً أساسياً لتحديد الاستحقاق. وأوضح أن تقييم التجربة السابقة أظهر حالات لم تتمكن فيها أسر محتاجة من الاستفادة بسبب طبيعة المؤشر المعتمد، الأمر الذي يستدعي تحسين آليات الاستهداف وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وأقر الوزير بأهمية البناء على المكتسبات التي تحققت خلال المرحلة السابقة، مشيراً إلى مساهمة الحكومة السابقة في إرساء مسار الدعم الاجتماعي، معتبراً أن الممارسة العملية أظهرت الحاجة إلى تطوير معايير الاستفادة وتصحيح الاختلالات التي قد تحول دون وصول المساعدات إلى الأسر التي تحتاج إليها فعلياً.

وبموازاة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية، شدد لقجع على ضرورة مواصلة تثمين المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب في قضية الصحراء المغربية تحت القيادة الملكية، مؤكداً أهمية التعبئة الوطنية والدبلوماسية للدفاع عن الوحدة الترابية وتعزيز موقع المملكة على الساحة الدولية.

وأكد في هذا الإطار أهمية الإشادة بقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مقترحاً سياسياً تطرحه المملكة في إطار مساعي التوصل إلى حل نهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية على أساس السيادة المغربية. ويعكس هذا التوجه، وفق الطرح المقدم، حرص المغرب على صيانة المكتسبات المحققة وتحصينها، ومواصلة حضور قضيته الوطنية الأولى في مختلف المحافل الدولية.

كما أبرزت المواقف المعلنة أهمية الأدوار التي تضطلع بها القوات المسلحة الملكية ومختلف الأجهزة الأمنية والإدارية في حماية الحدود الوطنية وصون الأمن والاستقرار والحفاظ على الوحدة الترابية، مع التنويه بالتضحيات التي تقدمها هذه المؤسسات في سبيل حماية المصالح الاستراتيجية للمملكة ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وتتقاطع هذه الرسائل مع الرهان الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027، والمتمثل في الجمع بين مواصلة تعزيز مكانة المغرب خارجياً، وتطوير أدائه الاقتصادي والاجتماعي داخلياً، بما يجعل الدبلوماسية والعمل المؤسساتي والسياسات العمومية مكونات متكاملة في خدمة المصالح العليا للبلاد.

وبين الإجراءات المعلنة لفائدة المتقاعدين والأرامل والأسر المستفيدة من الدعم، والتوجه نحو مراجعة معايير الاستحقاق وتخفيف أعباء الكهرباء، يطرح المشروع أسئلة مرتبطة بكلفة الالتزامات الاجتماعية ومصادر تمويلها وشروط تنزيلها، فضلاً عن مدى قدرتها على تحسين القدرة الشرائية بصورة ملموسة. كما يظل الانتقال من الأهداف المعلنة إلى النتائج الفعلية مرتبطاً بتحديد آليات التنفيذ وضمان استمرارية التمويل وشفافية الاستفادة.

ومن المرتقب أن يشكل النقاش البرلماني حول المشروع محطة أساسية لتقييم مدى انسجام التوجهات الاقتصادية مع الالتزامات الاجتماعية، وقياس قدرة الحكومة على تحويل وعودها إلى إجراءات قابلة للتتبع والمحاسبة، في وقت تؤكد فيه أن المرحلة الجديدة تستهدف تجاوز اختلالات الماضي، وإرساء نموذج تنموي أكثر توازناً، يجمع بين خلق الثروة والإنصاف الاجتماعي، ومواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية والمكتسبات الدبلوماسية للمملكة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك