أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
لم يعد الإعلان عن تأسيس إطار جديد للمعتقلين الإسلاميين السابقين في المغرب مجرد خبر عابر في المشهد الحقوقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بائتلاف يعلن، من أكادير، عن انطلاق عمله للدفاع عن ضحايا الاعتقال على خلفية قانون مكافحة الإرهاب، ويضع في مقدمة مطالبه الاعتراف بالمعاناة، وجبر الضرر، ورد الاعتبار، والإدماج الاجتماعي والمهني، وإنصاف الأسر والأبناء. فخلف هذا الإعلان تكمن قضية ممتدة منذ سنوات، تتجاوز حدود المبادرات التنظيمية المتعاقبة لتطرح سؤالاً أكبر حول مآل ملف حقوقي لم تنجح المطالبات المتكررة بشأنه في الوصول إلى تسوية يعتبرها أصحابها منصفة وشاملة.
إن تأسيس «ائتلاف الكرامة والإنصاف لضحايا الاعتقال على خلفية قانون الإرهاب» بجهة سوس ماسة يعيد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين المبادرة الحقوقية واستجابة المؤسسات. فالمعتقلون السابقون الذين اختاروا تأسيس هذا الإطار لا يقدمون مطالبهم باعتبارها مجرد رغبة في استحضار الماضي، بل بوصفها محاولة لمعالجة آثاره المستمرة على حياتهم القانونية والاجتماعية والمهنية والأسرية. ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية الخطوة في اسم الائتلاف أو تاريخ تأسيسه فحسب، وإنما في دلالتها على أن جزءاً من المعنيين بهذا الملف ما زال يرى أن الوسائل المتاحة لم تحقق الغاية المنشودة من الإنصاف وإعادة الإدماج.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا تتوالى المبادرات والتنسيقيات والائتلافات التي تتبنى، في جوهرها، مطالب متقاربة، بينما يظل الملف مفتوحاً على المطالبة بجبر الضرر وتسوية الأوضاع وإنهاء الإقصاء؟ وهل يعكس هذا التكاثر حيوية داخل الحركة الحقوقية، أم يكشف عن عجز الأطر القائمة عن توحيد جهودها، أم أنه قبل كل شيء تعبير عن شعور متراكم لدى المعنيين بأن أبواب المؤسسات لم تفتح بعد على نحو يفضي إلى معالجة شاملة لقضيتهم؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة باختزال القضية في سبب واحد، لكن تكرار المطالب المتشابهة يمنح النقاش مشروعية واضحة. فعندما تعود المطالب نفسها في بيانات تأسيسية جديدة، من حق الرأي العام أن يتساءل عن حصيلة سنوات الترافع السابقة، وعن طبيعة اللقاءات التي عقدت مع المؤسسات المعنية، وعن الالتزامات التي جرى الإعلان عنها، وعن النتائج العملية التي تحققت على مستوى الإدماج والتأهيل الصحي والاجتماعي وتسوية الأوضاع القانونية.
وقد سبق أن أعلنت التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، في بيان يعود إلى سنة 2024، عن تأسيس إطار يستهدف الدفاع عن جبر الضرر المادي والمعنوي، والإدماج في سوق الشغل، والسكن اللائق، والتطبيب للحالات التي تعاني آثاراً صحية ونفسية مرتبطة بتجربة الاعتقال. كما يعود تأسيس اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين إلى سنة 2011، وفق ما تورده اللجنة في تعريفها بمسارها وأهدافها. ويؤكد هذا التسلسل أن المطالب المطروحة اليوم ليست وليدة اللحظة، وأن النقاش بشأنها يمتد لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن تعدد الأطر الحقوقية لا ينبغي أن يكون مناسبة لتبادل الاتهامات أو التشكيك في نيات المؤسسين، كما لا يصح اعتباره دليلاً تلقائياً على فشل جميع المبادرات السابقة. فقد يكون تأسيس إطار محلي جديد استجابة لحاجات خاصة بمعتقلي جهة سوس ماسة، أو محاولة لإشراك أشخاص لم يجدوا أنفسهم داخل الأطر القائمة، أو تعبيراً عن اختلاف في أساليب الترافع وأولوياته. لكن هذه الاحتمالات لا تلغي حقيقة أن استمرار المطالب الأساسية عبر سنوات يفرض تقييماً جدياً لمدى فعالية العمل الحقوقي، ولطبيعة الاستجابة المؤسسية التي تلقاها الملف.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد التنسيقيات في حد ذاته، بل في أن يتحول هذا التعدد إلى حالة من التجزئة الدائمة، بحيث يصبح لكل إطار خطابه وبيانه ولجنته ومواعيده، بينما تظل المطالب الأساسية موزعة بين مبادرات لا تتوفر دائماً على آلية مشتركة للتنسيق وتبادل المعطيات وتوحيد الأولويات. وعندما تتكرر المطالب من دون أن تتراكم في ملف حقوقي موحد، واضح المعالم ومدعوم بالوثائق والحجج القانونية، قد تتراجع القدرة على تحويل المعاناة الفردية والجماعية إلى مسار مؤسساتي قابل للمتابعة والتقييم.
وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح ضعف التنسيق ذريعة لإعفاء المؤسسات من مسؤوليتها في دراسة المطالب المشروعة والرد عليها. فحق الأفراد في التظلم والترافع وتأسيس الأطر المدنية لا يتوقف على وجود تنظيم موحد، كما أن التعدد الجمعوي لا يسقط واجب المؤسسات في التعامل مع الملفات المعروضة عليها وفق اختصاصاتها والقوانين المنظمة لعملها. وإذا كان توحيد الصفوف من شأنه تقوية المرافعة، فإن غياب الوحدة لا يبرر تجاهل الشكايات أو إهمال الحالات التي تستدعي معالجة قانونية أو اجتماعية.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة «صم آذان الدولة» وصفاً سياسياً يعبر عن شعور بعض المعنيين بالإهمال أو ضعف الاستجابة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن مؤسسات الدولة تتعمد تجاهل الملف برمته. فالتقييم الحقوقي الدقيق يقتضي التمييز بين غياب الاستجابة، وبطء المساطر، ومحدودية البرامج، وعدم تنفيذ الالتزامات إن ثبتت، وبين وجود قرار مؤسسي متعمد برفض المطالب. ولكل حالة من هذه الحالات أدوات إثبات ومسارات قانونية مختلفة.
ومع ذلك، فإن تكرار النداءات وتأسيس أطر جديدة يضع المؤسسات المعنية أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: إذا كانت المطالب قديمة ومعروفة، فما الذي تحقق منها بصورة قابلة للقياس؟ وما عدد الملفات التي درست؟ وكم حالة استفادت من برامج إعادة الإدماج؟ وهل توجد آلية واضحة لتلقي الشكايات المتعلقة بالآثار الصحية والاجتماعية والمهنية للاعتقال؟ وهل يحصل أصحاب الملفات على أجوبة معللة تبين ما يمكن الاستجابة له، وما يتعذر تنفيذه، والأساس القانوني لكل قرار؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من الاكتفاء بتبادل البيانات أو عقد اللقاءات التي لا تتبعها نتائج معلنة. فالملف الحقوقي لا يقاس بعدد الاجتماعات ولا بكمية المراسلات، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المتضررين، وبقدرة المؤسسات على تحديد الحالات المستحقة للمعالجة، ووضع آجال للبت فيها، وتوضيح المسؤوليات والاختصاصات، ونشر حصيلة دورية تتيح للرأي العام تقييم التقدم أو التعثر.
ومن الناحية القانونية، يتطلب النقاش فصلاً واضحاً بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في الخطاب العام: أولها مشروعية المطالبة باحترام الحقوق الأساسية أثناء الاعتقال والمحاكمة وتنفيذ العقوبة؛ وثانيها المطالبة بجبر الضرر متى توافرت الأسس القانونية والوقائع التي تثبت استحقاقه؛ وثالثها معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي قد تستمر بعد الإفراج. وهذه المستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة، ولا تخضع جميعها بالضرورة للمساطر القانونية نفسها.
فالدستور المغربي يكرس ضمانات أساسية في هذا المجال. وينص الفصل 22 على حماية السلامة الجسدية والمعنوية والكرامة الإنسانية، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما يضمن الفصل 23 حقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، ويؤكد قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة، ويشير إلى إمكان الاستفادة من برامج التكوين وإعادة الإدماج. ويضمن الفصل 120 الحق في المحاكمة العادلة وفي صدور حكم داخل أجل معقول، فيما ينص الفصل 122 على حق من تضرر من خطأ قضائي في الحصول على تعويض تتحمله الدولة.
لكن الاستناد إلى هذه المقتضيات يقتضي الدقة في تفسير نطاقها. فالفصل المتعلق بالتعويض عن الخطأ القضائي لا يعني أن كل من سبق اعتقاله أو أدين بموجب قانون مكافحة الإرهاب يستحق تلقائياً تعويضاً من الدولة. بل يتعين تحديد طبيعة الضرر، والأساس القانوني للمطالبة، والوقائع والأدلة المتاحة، والمسار المختص بالنظر في الملف. كما أن ادعاءات التعذيب أو الاعتقال التعسفي أو المساس بحقوق الدفاع تستدعي دراسة مستقلة لكل حالة، وفق الضمانات والإجراءات القانونية المعمول بها.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول هذا التحفظ القانوني إلى وسيلة لتقليص المطالب الحقوقية أو إغلاق النقاش بشأنها. فوجود أحكام قضائية بالإدانة لا يلغي، من حيث المبدأ، حق كل شخص في المعاملة الإنسانية، ولا يسقط الحماية من التعذيب وسوء المعاملة، ولا يبرر حرمانه من الحقوق التي يكفلها القانون بعد الإفراج عنه. كما أن المطالبة بجبر الضرر لا تعني بالضرورة المطالبة بإلغاء الأحكام القضائية أو إنكار المسؤولية الجنائية الثابتة بموجبها؛ فقد تتعلق المطالبة بوقائع أو أضرار مستقلة عن موضوع الإدانة، ويجب التحقق منها وفق القانون.
ويكتسب البعد الدولي أهمية خاصة عند الحديث عن الادعاءات المتعلقة بالتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة. فالمغرب طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب منذ سنة 1993، وتنص المادة 14 من الاتفاقية على ضمان حق ضحايا التعذيب في الإنصاف والتعويض العادل والمناسب، بما في ذلك الوسائل اللازمة لإعادة التأهيل قدر الإمكان. ويعزز ذلك أهمية وجود آليات فعالة للتحقيق في الادعاءات، وتحديد المسؤوليات، وتوفير سبل الانتصاف للضحايا الذين تثبت حالاتهم وفق المعايير القانونية ذات الصلة.
أما الإدماج الاجتماعي والمهني، فهو بدوره ملف لا ينبغي اختزاله في منح فرص استثنائية أو التعامل مع جميع المعتقلين السابقين باعتبارهم فئة متجانسة. فالحالات تختلف من حيث السن، والوضع الصحي، والمستوى التعليمي، والخبرة المهنية، والالتزامات الأسرية، وطول مدة الانقطاع عن العمل، وطبيعة الصعوبات القانونية والإدارية التي يواجهها كل شخص. ولذلك فإن أي سياسة فعالة للإدماج ينبغي أن تقوم على تشخيص فردي للاحتياجات، وتوفير التكوين والتأهيل الصحي والنفسي عند الحاجة، وتيسير الوصول إلى فرص العمل والخدمات الاجتماعية وفق معايير واضحة ومنصفة.
وتبرز هنا مسؤولية الدولة في اعتماد مقاربة عملية لا تكتفي بالشعارات العامة حول إعادة الإدماج. فإذا كانت البرامج التأهيلية تستهدف المعتقلين المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب داخل المؤسسات السجنية، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو مدى وجود متابعة كافية بعد الإفراج، وما إذا كانت برامج التأهيل تمتد بصورة فعالة إلى معالجة الصعوبات الاجتماعية والمهنية التي قد تواجه المستفيدين. ويعرض مركز مصالحة الرسمي برنامجاً يهدف إلى تأهيل السجناء المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب ومساعدتهم على إعادة الاندماج؛ غير أن وجود برنامج من هذا النوع لا يكفي وحده لإثبات أن جميع الاحتياجات اللاحقة للإفراج قد عولجت، ولا يغني عن تقييم نتائجه ومدى امتداد أثره إلى مرحلة ما بعد السجن.
ومن جهة أخرى، فإن أسر المعتقلين السابقين لا ينبغي أن تظل خارج الصورة. فقد تتحمل الزوجات والأبناء تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية قد تمتد سنوات، خصوصاً عندما يؤدي الاعتقال إلى فقدان مصدر الدخل أو اضطراب الاستقرار الأسري أو انقطاع المسار التعليمي. لكن إنصاف الأسر يتطلب بدوره تحديد طبيعة الأضرار واحتياجات كل حالة، وعدم الخلط بين التعويض القانوني عن ضرر ثابت وبين برامج الدعم الاجتماعي التي يمكن أن تستهدف الفئات الهشة وفق شروط عامة.
وفي هذا الإطار، يشكل تأسيس ائتلاف بجهة سوس ماسة فرصة لإعادة تنظيم المطالب على أساس عملي، شرط ألا ينتهي الأمر إلى إضافة اسم جديد إلى قائمة الأطر القائمة من دون إحداث قيمة حقوقية ملموسة. فالائتلاف الجديد مدعو إلى حصر الملفات وتوثيقها، وتصنيفها بحسب طبيعتها القانونية والاجتماعية، وتحديد الحالات ذات الأولوية، والاستعانة بمحامين وخبراء في القانون وحقوق الإنسان، وبناء ملف يتضمن الوقائع والوثائق والأحكام والتقارير الطبية والاجتماعية المتاحة، مع احترام الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية.
كما يمكن أن يشكل التنسيق مع الأطر الوطنية القائمة خطوة أساسية لتقليل تكرار الجهود، من دون أن يعني ذلك إلغاء استقلالية أي إطار أو فرض وحدة تنظيمية قسرية. فالمطلوب ليس بالضرورة حل جميع التنسيقيات في تنظيم واحد، وإنما الاتفاق على حد أدنى من المطالب المشتركة، وتحديد أولويات واضحة، وتبادل الخبرات والوثائق، ووضع آلية للتواصل مع المؤسسات المعنية، وتقديم تقارير دورية عن مسار الترافع ونتائجه.
ويظل المجلس الوطني لحقوق الإنسان من المؤسسات التي يمكن أن تكون معنية بالنظر في الجوانب الداخلة ضمن اختصاصاته، إلى جانب الجهات القضائية والإدارية المختصة بحسب طبيعة كل ملف. لكن نجاح الترافع يتطلب أن تكون المطالب محددة ومسنودة بالوقائع، وأن يميز أصحابها بين الشكايات الفردية التي تستلزم معالجة خاصة والمطالب العامة التي تحتاج إلى سياسة مؤسساتية أوسع. كما ينبغي أن يظل الحوار مع المؤسسات قائماً على المساءلة والوضوح، لا على الاكتفاء بوعود غير محددة أو لقاءات لا تصدر عنها نتائج قابلة للمتابعة.
أما على مستوى الدولة، فإن الاستجابة الأكثر فاعلية لا تتمثل في التعامل مع كل إطار على حدة باعتباره مبادرة معزولة، بل في تقييم ما إذا كانت هناك حاجة إلى آلية تنسيق مؤسساتية تستقبل المطالب، وتحيل كل ملف إلى الجهة المختصة، وتحدد آجالاً للرد، وتتابع ما يمكن تنفيذه قانونياً واجتماعياً. ويمكن أن تساهم مثل هذه الآلية في تقليص الشعور بالإهمال، ومنع تكرار المراسلات نفسها، وتوضيح حدود الاختصاصات والمسؤوليات.
إن جوهر الإشكال لا يتعلق فقط بوجود تنسيقيات كثيرة، بل بغياب حصيلة عامة واضحة يستطيع المعنيون والرأي العام من خلالها معرفة ما تحقق وما بقي معلقاً. فحين لا تتوفر بيانات دقيقة عن أعداد المعنيين، وطبيعة ملفاتهم، والحالات التي استفادت من الإدماج أو الدعم، والمطالب التي تمت الاستجابة لها أو رفضها وأسباب ذلك، يصبح النقاش عرضة للتعميم والتأويل المتبادل. ولذلك فإن بناء قاعدة بيانات حقوقية واجتماعية دقيقة، مع حماية المعلومات الشخصية، يمكن أن يساعد في نقل الملف من دائرة الشعارات العامة إلى مجال التقييم الموضوعي.
وفي هذا السياق، ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة حول العدد الإجمالي للمعتقلين الإسلاميين السابقين. فالإشارة إلى نحو ألفي شخص قد تعكس تقديراً متداولاً في النقاش العام، لكن لا يصح تقديمه بوصفه إحصاءً حديثاً ودقيقاً لعدد المعتقلين السابقين الذين ما زالوا يواجهون الآثار نفسها، ما لم يسنده مصدر محدد ومنهجية واضحة. وقد وثقت تقارير حقوقية دولية اعتقال أكثر من ألفي شخص يشتبه في ارتباطهم بالإسلاميين في سياق الحملة الأمنية التي أعقبت تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003؛ غير أن هذا الرقم التاريخي يتعلق بأشخاص اعتُقلوا في سياق محدد، ولا يثبت بمفرده العدد الحالي للمعتقلين السابقين أو عدد من يستحقون جبر الضرر.
وهذا التمييز ليس تفصيلاً إحصائياً، بل شرط أساسي لأي ترافع جاد. فالدفاع عن الحقوق يحتاج إلى بيانات دقيقة بقدر حاجته إلى وضوح المطالب، لأن المبالغة في الأرقام أو الخلط بين فئات مختلفة قد يضعف المرافعة بدلاً من تقويتها. وفي المقابل، فإن غياب الإحصاء الرسمي الواضح لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتجاهل المعاناة الفردية أو الامتناع عن دراسة الملفات التي تتوفر على معطيات موثقة.
وفي المحصلة، فإن تكاثر التنسيقيات والائتلافات المدافعة عن المعتقلين الإسلاميين السابقين يضع الجميع أمام اختبار مزدوج. فالأطر الحقوقية مطالبة بتحويل تعدد المبادرات إلى قوة ترافعية منظمة، قائمة على التوثيق والتنسيق وتحديد الأولويات، فيما تقع على المؤسسات مسؤولية التعامل الجدي مع الملفات الداخلة ضمن اختصاصاتها، وتقديم أجوبة واضحة ومعللة، وعدم ترك المطالب تتكرر سنوات من دون حصيلة مفهومة.
إن الدولة التي تراهن على سيادة القانون وتعزيز الثقة في المؤسسات مطالبة بأن تجعل الحقوق قابلة للممارسة، وأن توفر مسارات فعالة للإنصاف عندما تثبت أسبابه القانونية، وأن تتعامل مع آثار الاعتقال من زاوية إنسانية وحقوقية لا تختزل الأشخاص في ماضيهم القضائي. وفي المقابل، فإن أصحاب المطالب مطالبون ببناء ملف موحد قدر الإمكان، وتقديم أدلة واضحة، والاستفادة من الأطر القانونية المتاحة، وتجنب أن يتحول تعدد المبادرات إلى تنافس يستنزف الجهود ويؤخر النتائج.
فليس المطلوب أن تتوقف التنسيقيات عن التأسيس، ولا أن تتنازل عن مطالبها، وإنما أن يصبح كل إطار جديد إضافة فعلية إلى مسار الإنصاف، لا مجرد شاهد آخر على استمرار المأزق. كما أن المطلوب من المؤسسات ليس الاكتفاء باستقبال المراسلات أو عقد اللقاءات، بل الانتقال إلى معالجة قابلة للقياس والتقييم. وبين مسؤولية الترافع وواجب الاستجابة، يبقى المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الكرامة والإنصاف والإدماج ستتحول من عناوين متكررة في البيانات التأسيسية إلى نتائج ملموسة في حياة المعنيين وأسرهم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك