أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
عاد ملف الهجرة غير النظامية ليحتل
موقعاً بارزاً في النقاشات التي تجمع عدداً من السياسيين بالشباب، خصوصاً مع تزايد
الحديث عن صعوبة الولوج إلى سوق الشغل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على
بناء مستقبل مستقر، وفي خضم هذه النقاشات تبرز وعود بإيجاد حلول حقيقية توفر فرصاً
للشغل وتمنح الشباب إمكانية العيش بكرامة داخل بلدهم بدل التفكير في الهجرة.
ويطرح الشباب خلال هذه اللقاءات أسئلة
مباشرة حول مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي، فالحصول على وظيفة مستقرة أصبح بالنسبة
إلى كثير منهم أكثر من مجرد مصدر للدخل، بل شرطاً أساسياً للاستقلال وتكوين الأسرة
وتحقيق الاستقرار، ولذلك ترتبط قضية الهجرة في جزء كبير منها بمدى قدرة السياسات
العمومية على توفير فرص حقيقية أمام الشباب، خاصة حاملي الشهادات والباحثين عن أول
تجربة مهنية.
وتختلف دوافع التفكير في الهجرة بين
شباب المدن والقرى والبوادي، فالشاب في المدينة يواجه ارتفاع تكاليف السكن
والمعيشة وصعوبة المنافسة على الوظائف، بينما يواجه الشباب في المناطق القروية
تحديات إضافية مرتبطة ببعد المؤسسات التعليمية ومحدودية فرص التكوين والعمل وضعف
وسائل النقل، وهو ما يجعل تحقيق العدالة المجالية وتوزيع فرص الاستثمار والشغل من
المطالب التي تتكرر في النقاشات المرتبطة بمستقبل الشباب.
وتحاول الأحزاب السياسية تقديم برامج
ووعود تستهدف هذه الفئة، من خلال الحديث عن دعم المقاولات الصغرى وتشجيع الاستثمار
وتطوير التكوين المهني وخلق فرص عمل جديدة، لكن الشباب لا يريدون فقط وعوداً
انتخابية أو شعارات عامة، وإنما ينتظرون إجراءات ملموسة يمكن أن تنعكس على حياتهم
اليومية، لأن استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي قد يزيد من
فقدان الثقة ويدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل خارج البلاد.
وتكتسب قضية الشغل أهمية أكبر لأنها
ترتبط مباشرة بفكرة الحياة الكريمة، فالشاب الذي يحصل على دخل مستقر يستطيع بناء
مشروعه وتكوين أسرة والاستقلال عن أسرته والمساهمة في المجتمع، بينما يؤدي غياب
الفرص إلى الإحساس بالتهميش والإقصاء، وقد تتحول الهجرة في هذه الحالة من خيار
شخصي إلى محاولة للهروب من واقع اقتصادي واجتماعي لا يرى فيه الشاب مستقبلاً
واضحاً.
ومن هنا، فإن مواجهة الهجرة غير
النظامية تحتاج إلى الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة النتائج، عبر خلق وظائف
مستقرة وتحسين الأجور وتوسيع فرص التكوين ودعم المبادرات الشبابية والاستثمار في
المناطق التي تعاني من ضعف الفرص، فالشباب لا يرفضون وطنهم بالضرورة، وإنما يبحثون
عن مكان يضمن لهم الكرامة والاستقرار، وإذا توفرت لهم هذه الشروط داخل المغرب فإن
جزءاً كبيراً من دوافع الهجرة يمكن أن يتراجع تلقائياً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك