أنتلجنسيا:أبو جاسر
في تحول أثار الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط الإعلامية والمهنية، خرج يونس مجاهد، الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، بموقف جديد يقلب مواقفه السابقة رأساً على عقب، بعدما انتقل من موقع المدافع الشرس عن الإطار القانوني المنظم للمجلس إلى موقع المنتقد له، معتبراً أن النموذج الذي اعتمده المشرع المغربي أفرز مؤسسة تعاني اختلالات بنيوية عميقة وأفقدها القدرة على الاضطلاع بدورها الأساسي في حماية أخلاقيات المهنة.
هذا التحول اللافت جاء بعد مغادرة مجاهد لرئاسة المجلس الوطني للصحافة، المنصب الذي شغله منذ سنة 2018، وهي مرحلة شهدت نقاشاً واسعاً حول واقع حرية الصحافة بالمغرب وأداء المجلس في التعاطي مع قضايا أخلاقيات المهنة والتشهير والانتهاكات المهنية التي أثارت جدلاً كبيراً داخل الجسم الصحافي.
وفي دراسة أكاديمية حديثة تناولت مستقبل المجلس الوطني للصحافة، اعتبر مجاهد أن الصيغة القانونية التي تم اعتمادها جمعت بين وظيفتين مختلفتين داخل هيئة واحدة؛ الأولى مرتبطة بتنظيم الولوج إلى المهنة ومنح البطاقة المهنية، والثانية تتعلق بالسهر على احترام قواعد وأخلاقيات العمل الصحافي، مؤكداً أن هذا التداخل أضعف فعالية المؤسسة وأربك طبيعة أدوارها.
ويرى الرئيس السابق للمجلس أن وظيفة حماية الأخلاقيات المهنية تراجعت إلى الخلف لصالح ملفات مرتبطة بالتدبير الإداري والمهني، وعلى رأسها قضية البطاقة المهنية، رغم أن فلسفة إنشاء مجالس الصحافة في التجارب الدولية تقوم أساساً على ضمان احترام قواعد المهنة وحماية الممارسة الصحافية من الانزلاقات والتجاوزات.
ولم يتوقف نقد مجاهد عند هذا الحد، بل اعتبر أن المجلس الوطني للصحافة، سواء في صيغته السابقة أو الحالية، لا ينسجم بشكل كامل مع النماذج الدولية المعروفة لمجالس أخلاقيات الصحافة، كما أنه لا يطابق منطق الهيئات المنظمة للمهن الحرة المعمول بها في المغرب، مثل هيئات المحامين والأطباء والصيادلة.
وأوضح أن هناك فرقاً جوهرياً بين المهن الحرة التي تضع شروطاً صارمة للولوج إليها وتمارس صلاحيات تنظيمية خاصة، وبين مهنة الصحافة التي تعتمد في جوهرها على مبدأ التنظيم الذاتي والتوافق المهني بين الصحافيين والناشرين والمؤسسات الإعلامية، بعيداً عن منطق الضبط الإداري التقليدي.
كما شدد على أن الصحافي يختلف عن أصحاب المهن الحرة الأخرى، بحكم أنه يمارس عمله داخل مؤسسات إعلامية وفي إطار علاقة شغل، وليس كفاعل مستقل يقدم خدمات مباشرة للزبناء كما هو الحال بالنسبة للمحامين أو الأطباء.
ويستند مجاهد في طرحه إلى تجارب دولية يعتبرها أكثر انسجاماً مع فلسفة التنظيم الذاتي للصحافة، حيث تتشكل مجالس الصحافة من الفاعلين المهنيين أنفسهم وتتركز مهمتها الأساسية في مراقبة احترام أخلاقيات المهنة وتسوية النزاعات المرتبطة بالممارسة الإعلامية باستقلالية عن السلطة السياسية والإدارية.
غير أن المثير في هذا التحول هو أن صاحبه كان قبل سنوات قليلة من أبرز المدافعين عن القانون نفسه، بل وصف الانتقادات التي وُجهت إلى مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بأنها مجرد "مزايدات"، مؤكداً آنذاك سلامة المقاربة القانونية المعتمدة وأهمية الإصلاحات المقترحة.
أما اليوم، وبعد خروجه من موقع المسؤولية، فإنه يقدم قراءة مغايرة تماماً، داعياً إلى مراجعة شاملة وعميقة للنموذج المعتمد، وإعادة بناء المجلس على أسس جديدة تفصل بشكل واضح بين تنظيم الولوج إلى المهنة وبين مهمة حماية أخلاقياتها.
ويعيد هذا التحول فتح النقاش حول حصيلة السنوات التي تولى فيها مجاهد قيادة المجلس، خاصة أن الانتقادات المتعلقة بالتشهير وانتهاك الحياة الخاصة واستعمال بعض المنابر الإعلامية في تصفية الحسابات كانت حاضرة بقوة خلال تلك المرحلة، وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان هذا الموقف يمثل مراجعة فكرية متأخرة أم اعترافاً ضمنياً بوجود اختلالات ظلت قائمة طوال سنوات دون أن تجد طريقها إلى المعالجة الفعلية.
وبينما يدعو مجاهد اليوم إلى إعادة النظر جذرياً في فلسفة المجلس الوطني للصحافة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا لم تظهر هذه الانتقادات عندما كان الرجل على رأس المؤسسة ويمتلك سلطة التأثير في توجهاتها وقراراتها؟ وهو سؤال مرشح لأن يرافق هذا الجدل طويلاً في ظل استمرار النقاش حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة المغربية وحدود استقلاليته وفعاليته.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك