أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
عاد اسم الفنان المغربي سعد لمجرد إلى الواجهة مع استمرار النقاش حول قضيته أمام القضاء الفرنسي، خصوصاً بين من يعتبر أن صدور حكم قضائي كافٍ لإنهاء كل نقاش، ومن يرى أن الأحكام القضائية، مهما كانت الجهة التي أصدرتها، تبقى مرتبطة بالأدلة والمساطر ويمكن أن تكون موضوع مراجعة أو نقاش قانوني.
ويذهب بعض المتابعين إلى التعامل مع القضاء الفرنسي باعتباره مؤسسة لا يمكن أن تخطئ، وبالتالي اعتبار أي حكم صادر عنه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. غير أن التجربة القضائية نفسها، في فرنسا كما في غيرها من الدول، تُظهر أن العدالة البشرية ليست معصومة من الخطأ، وأن التاريخ القضائي عرف قضايا صدرت فيها أحكام ثم عادت الأدلة الجديدة لتفتح نقاشاً واسعاً حولها.
وتبرز قضية المغربي عمر الرداد واحدة من أشهر الحالات التي تستحضر في هذا السياق، بعدما أدين سنة 1994 بقتل مشغلته الفرنسية غيسلين مارشال، وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً، في قضية اشتهرت بسبب العبارة المكتوبة بالدم في مسرح الجريمة والتي نسبت إليه.
وأمضى الرداد سنوات في السجن قبل أن يستفيد من عفو جزئي سنة 1996، ليغادر المؤسسة السجنية سنة 1998، غير أن العفو لم يكن حكماً بالبراءة ولم يُلغِ الإدانة القضائية الصادرة في حقه.
وأعادت تطورات علمية لاحقة القضية إلى دائرة الاهتمام، بعدما كشفت تحاليل جنائية عن وجود آثار حمض نووي ذكوري لا تعود إلى عمر الرداد، قبل أن تحدد تحاليل أخرى آثاراً مرتبطة بأربعة رجال غير معروفين على بعض عناصر مسرح الجريمة.
وأثارت هذه المعطيات مطالب بإعادة النظر في الملف، خصوصاً أن ظهور آثار وراثية لأشخاص آخرين فتح تساؤلات حول مصدرها وعلاقتها بالجريمة. غير أن القضاء الفرنسي رفض سنة 2022 طلباً جديداً لمراجعة الحكم، معتبراً أن المعطيات المقدمة لم تكن كافية لإثبات أن تلك الآثار مرتبطة مباشرة بارتكاب الجريمة.
وتوضح هذه القضية، في المقابل، أن الاستناد إلى حكم قضائي فرنسي باعتباره دليلاً على أن الخطأ مستحيل ليس استنتاجاً دقيقاً، كما أن وجود معطيات جديدة لا يعني تلقائياً أن شخصاً أدين قضائياً أصبح بريئاً.
وينطبق هذا المبدأ أيضاً على قضية سعد لمجرد، إذ لا يمكن الجزم ببراءته أو إدانته استناداً إلى قضية عمر الرداد، لأن لكل ملف أدلته ومساره القضائي وقراراته الخاصة. وفي المقابل، لا يمكن كذلك اعتبار تجربة القضاء في قضية الرداد دليلاً على أن القضاء الفرنسي يخطئ بالضرورة في كل قضية أخرى.
وتبقى القاعدة الأهم أن العدالة لا تُقاس بجنسية المحكمة، وإنما بالأدلة والمساطر والضمانات القانونية التي تحكم كل ملف على حدة، مع الاحتفاظ بحق المتابعين في مناقشة الأحكام والطعون والمراجعات ضمن الأطر القانونية، دون تحويل قضية قضائية إلى حكم مسبق على قضية أخرى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك