أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
ما جرى في مركب مولاي عبد الله يوم
الأربعاء 14/01/2026 بالعاصمة المغربية الرباط لم يكن مجرد مباراة في نصف نهائي
كأس أفريقيا للأمم، بل كان فصلا مكثفا من فصول كرة القدم حين تبلغ ذروة التوتر
والندية والرهان العالي بين فريقين قويين المغرب ونجيريا.
نعم، المغرب ونيجيريا التقيا في مقتلة
رياضية، موقعة استنزفت الأعصاب قبل العضلات، وامتدت إلى 120 مئة وعشرين دقيقة من
الصراع النظيف، قبل أن تحسمها ركلات الترجيح لصالح المنتخب المغربي، في مشهد لا
يمكن قراءته إلا باعتباره لحظة كروية كاملة الأركان، عنوانها الصبر والقتال والاحترام
المتبادل.
من السهل بعد النهاية أن يتحدث البعض
عن النتيجة، لكن الأصعب والأهم هو الإنصات إلى ما قالته تفاصيل المباراة نفسها في
المستطيل الاخضر، هنا لم يكن هناك فريق سهل ولا طريق معبد حسب الإدعاءات المعتادة
من قبل "حفيظ الدراجي" أو خديجة بن قنة" الأبواق الصدأة، بل مواجهة
تكتيكية وبدنية ونفسية، تقاسم فيها الطرفان السيطرة وتبادلا الضغط والفرص، وبقيت خلالها
الكفة معلقة إلى آخر نفس، وهو ما يجعل الانتصار المغربي أقرب إلى امتحان جماعي
للثبات منه إلى حكاية حظ عابر.
المنتخب النيجيري قدم واحدة من أنضج
مبارياته في البطولة، بانضباط دفاعي وقوة بدنية وروح قتالية عالية، وبسلوك رياضي
راق من الطاقم واللاعبين والجمهور، لا بد من الإشادة به، وهو ما يمنح لهذه
المباراة قيمة مضاعفة، لأن الفوز على خصم بهذا الحجم وبهذا الأداء لا يمكن أن يكون
نتاج صدفة أو ترتيب في الكواليس، بل نتيجة عمل داخل الملعب فقط.
وسط هذا السياق، تتحول هذه المباراة
إلى ما يشبه وثيقة كروية ناطقة، تفند الكثير من الكلام الذي راج في الفترة الماضية
عن كون انتصارات المغرب ثمرة مزاعم عن تأثيرات خارج المستطيل الأخضر، من قبل رئيس
الجامعة المغربية "فوزي لقجع"، فحين تصمد أمام منتخب بحجم نيجيريا مئة
وعشرين دقيقة، ثم تحسم الأمور بركلات الترجيح التي لا تخضع لأي منطق سوى أعصاب
اللاعبين، يصبح من العبث الاستمرار في سرديات التشكيك الجاهزة، من قبل الجيران
الأعداء في الجهة الشرقية للملكة المغربية.
الادعاءات التي رددها بعض الإعلاميين
الجزائريين، ومن بينهم خديجة بن قنة وحافظ الدراجي، ومحللون في البلاطوهات
الجزائر، كما أشرنا، لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل تحولت إلى خطاب كامل يحاول نزع
الشرعية عن مسار رياضي كامل، عبر ربط كل فوز مغربي بأحاديث عن الزبونية والمحسوبية
والتلاعب في التحكيم وعلاقات مفترضة مع الكاف ورئيس الجامعة "فوزي لقجع"،
وهي روايات قيلت كثيرا دون أن يقدم عليها أي دليل واحد يقف على قدميه.
المفارقة أن هذه الأصوات نفسها تعرف
جيدا حجم الاستقبال الذي كانت تلقاه في المغرب، وحجم المهنية والاحترام الذي قوبلت
به في أكثر من مناسبة، لكن ذلك لم يمنعها من السقوط في منطق التحريض والتشكيك،
ورأيت كل أبيض أسود فقط، في نموذج كلاسيكي لما يقوله المثل عن إكرام من لا يستحق
الإكرام، حين يتحول الامتنان إلى جحود، والمجاملة إلى عداء مجاني.
مباراة المغرب ونيجيريا جاءت في توقيت
مثالي لتضع كل هذا الكلام في ميزان الواقع.
لم يكن هناك تحكيم منحاز، ولا قرارات
صنعت الفارق، ولا سيناريو مكتوب سلفا، كان هناك فريقان يلعبان كرة القدم بكل ما
فيها من شد وجذب وعناد مطلوب، وكان هناك حارس يتألق ولاعبون يخطئون ويصيبون، وكانت
هناك أعصاب تتحكم في مصير ركلات ترجيح لا تعترف لا بلقب ولا باسم، الدقة والتوصيب
فقط.
هنا بالضبط تسقط حكاية المؤامرة، لأن
المؤامرات لا تكتب بهذا القدر من العشوائية الإنسانية، ولا تمر عبر أقدام لاعبين
قد تصيب وقد تخطئ. من تابع المباراة بعين باردة يدرك أن المغرب كان يمكن أن يفوز
كما كان يمكن أن ينهزم، وأن الفارق صنعته تفاصيل صغيرة داخل الملعب لا يمكن التحكم
فيها من أي مكتب أو هاتف، "فوزي لقجع"، الذي تحول عند البعض إلى شماعة
تعلق عليها كل إنجازات الكرة المغربية، خرج من هذه المباراة أقرب إلى كونه مسؤولا
إداريا يقود منظومة تشتغل بجهد وعناء، لا ساحرا يحرك الخيوط في الظلام.
هذه المواجهة بالتحديد نزعت عن هذه
الصورة الكاريكاتورية آخر أوراقها، وأعادت الأمور إلى حجمها الطبيعي، حيث الإنجاز
يصنع فوق العشب الأخضر داخل المستطيل، لا في الغرف المغلقة.
الناخب الوطني "وليد الركراكي"
ولاعبوه كل بإسمه، قدموا نموذجا لفريق يعرف كيف يتألم قبل أن يفرح، وكيف يصبر قبل
أن يحتفل، لم يكن الأداء مثاليا، لكنه كان صادقا ومقاتلا، وهو ما يعطي لهذا التأهل
معنى خاصا، لأنه جاء من معركة حقيقية لا من نزهة كروية، ومن اختبار أعصاب لا من
عرض استعراضي.
ولا ننسى الحديث عن نهائي سيكون أمام
السنغال ليفتح فصلا جديدا من التحدي، لكن الأهم قبل ذلك هو أن هذه المباراة أغلقت
فصلا كاملا من التشكيك المجاني، ليس لأن المغرب فاز فقط، بل لأنه فاز بالطريقة
التي لا تترك مجالا كبيرا للتأويل، بعد مباراة يمكن لأي متابع نزيه أن يضعها في
خانة كرة القدم الخالصة، نعم، قد يستمر البعض في ترديد الأسطوانة المشروخة نفسها،
لكن الكرة في الرباط قالت كلمتها بوضوح، قالت إن الانتصارات لا تصنع في
الميكروفونات ولا في الاستوديوهات، بل في عرق اللاعبين وصبرهم.
وقالت أيضا إن بعض المعارك لا تحتاج
إلى محامين، لأنها تدافع عن نفسها بنفسها فوق المستطيل الأخضر.
ونقول تحديدا شكر للحارس المظلوم،
"ياسين بونو" صاحب الإبتسامة الجميلة والأخلاق العالية، وكل مكونات
المنتخب الوطني من الألف إلى الياء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك