بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
لم تعد فنزويلا، في السياسة الأمريكية، مجرد دولة مختلفة أيديولوجيا أو نظاما سياسيا معارضا للمصالح الأمريكية، إذ تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق: أزمة الهيبة الأمريكية في عالم يتغير. فالتصعيد الخطابي والتهديدات المتكررة والعقوبات الممتدة، وإن كانت كلها أدوات توحي بالقوة، فإنها في الواقع تكشف حدودها أكثر مما تؤكدها.
منذ سنوات، تتعامل واشنطن مع فنزويلا بمنطق "الضغط الأقصى"، دون أن تنجح في تحقيق هدفها المركزي المتمثل في تغيير النظام أو إخضاعه سياسيا. فنيكولاس مادورو ما يزال في السلطة، والمؤسسات الأساسية للدولة لم تنهار، والتحالفات الخارجية، وإن كانت محدودة، لم تنقطع. هذا الفشل المتراكم حول الملف الفنزويلي من استعراض قوة إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها.
تاريخيا، كانت الهيبة الأمريكية تقوم على مزيج من التفوق العسكري والهيمنة الاقتصادية إضافة للقدرة على بناء تحالفات واسعة. غير أن حالة فنزويلا تظهر تآكلا في كل هذه العناصر الثلاثة. فعسكريا، لا تستطيع واشنطن شن تدخل مباشر دون كلفة سياسية داخلية وخارجية مرتفعة، كما بينت استطلاعات الرأي الرافضة للحرب. واقتصاديا، لم تعد العقوبات أداة فعالة كما في السابق، لقد أصبحت تنتج آثارا جانبية (الهجرة، الفوضى الإقليمية) ترتد على صانعيها. أما دبلوماسيا، فالدعم الدولي لأي مغامرة أمريكية في فنزويلا يبدو محدودا ومشروطا ينحصر خاصة على الغرب المنهزم في حرب أوكرانيا والذي بعد أن أصابه الخوف حين اندعت تلك الحرب أصبح حاليا مذعورا من السلام، هذا الغرب ومعه الكيان الصهيوني آلته الوظيفية يعيش بداية انهياره وتفككه وانكشف سياسيا وأخلاقيا مع دعمه للإبادة الجماعية بفلسطين وكيله بمكيالين مع العدوان على فنزويلا خارج القانون الدولي.
هذا الواقع يفسر التحول الواضح في الخطاب الأمريكي، خاصة في عهد دونالد ترامب، من لغة القانون الدولي إلى لغة الاستحقاق والملكية. فحين يصرح ترامب بأن "النفط الفنزويلي حق للولايات المتحدة"، فإن هذا الخطاب لا يعكس سياسة طاقة بقدر ما يعكس أزمة تصور، تصور قوة اعتادت أن تقرر، وتجد نفسها اليوم عاجزة عن الفرض.
وتكشف الأرقام هذا الانكشاف بوضوح. فوفق بيانات U.S. Energy Information Administration، لم تعد الولايات المتحدة تعتمد على النفط الفنزويلي كما في السابق، بعد أن عوضته بواردات من كندا وزيادة الإنتاج المحلي. ومع ذلك، يستمر التركيز السياسي والإعلامي على فنزويلا، ما يدل على أن المسألة لم تعد اقتصادية وإنما رمزية وسيادية.
في هذا السياق، تصبح فنزويلا رمزا مزدوجا، رمزا للتحدي من جهة، ورمزا للعجز من جهة أخرى. فهي دولة متوسطة، تعاني من أزمات عميقة، لكنها استطاعت، رغم ذلك، أن تصمد أمام أقسى نظام عقوبات في العالم. هذا الصمود، بغض النظر عن كلفته الاجتماعية، يحرج القوة التي فرضت العقوبات، ويطرح سؤالا مقلقا: ماذا لو لم تعد أدوات الإكراه كافية؟
هذا السؤال يتجاوز فنزويلا نفسها. فهو يطال صورة الولايات المتحدة في النظام الدولي ككل. فكما أشار الباحث الأمريكي ريتشارد هاس، فإن "النظام العالمي لم يعد يدار من مركز واحد"، لقد أصبح فضاء تتعدد فيه مراكز التأثير. وفنزويلا، في هذا الإطار، ليست سبب التحول، بل إحدى تجلياته.
الأهم أن هذا الانكشاف لا يعني انهيار الهيمنة الأمريكية، وإنما يعني تحولها. فالولايات المتحدة ما تزال قوة كبرى، لكنها لم تعد قادرة على فرض الطاعة السياسية بنفس السهولة التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وكلما أصرت على التعامل مع فنزويلا كمسألة هيبة، زادت احتمالات الفشل الرمزي.
في المقابل، يدرك صانع القرار الأمريكي هذا التحول، لكنه يفتقر إلى بدائل واضحة. فالتراجع يقرأ ضعفا والتصعيد مكلف والاستمرار في الوضع الراهن يراكم الخسائر المعنوية. وهنا تكمن المفارقة: فنزويلا محاصرة، لكنها ليست مهزومة في حين أن الولايات المتحدة قوية، لكنها غير حاسمة.
هكذا، تكثف القضية الفنزويلية أزمة النظام الدولي. إنها تكشف أن القوة، حين تفقد شرعيتها وفعاليتها، تتحول من أداة حسم إلى مصدر انكشاف. ومن هذا المنظور، فإن فنزويلا ليست مجرد "ملف" في السياسة الأمريكية، فهي علامة على انتقال تاريخي من عالم الإملاء الأحادي، إلى عالم أكثر تعقيدا وأقل قابلية للسيطرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك