العنف ضد النساء: تعدد البرامج وضُعف النتائج

العنف ضد النساء: تعدد البرامج وضُعف النتائج
مقالات رأي / الإثنين 05 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : سعيد الكحل

تشكل مظاهر العنف وأساليبه ظاهرة خطيرة عجزت كل البرامج الحكومية عن تطويقها فأحرى القضاء عليها. وما يزيد من خطورة الظاهرة واستحالة محاربتها هو التطبيع المجتمعي معها بفعل الموروث الثقافي والديني/الفقهي الذي يشرعن ممارسته ويشكل بيئة نفسية وفكرية قابلة لاستنبات قيمه ومقاومة إستراتيجيات مناهضته.

وقد ساهم ولا يزال يساهم مناهضو حقوق المرأة في التحريض وشرعنة العنف ضد النساء من داخل المؤسسات الرسمية للدولة؛ الأمر الذي يضفي على خطابهم مصداقية ويمنحه قوة التشريع والإباحة. ولعل أشد أشكال العنف خطورة على النساء، والتي تكون لها أضرار كبيرة على الصحة النفسية والجسدية للنساء وكذا على مستقبلهن وحقوقهن المادية، هي المتعلقة، من جهة، بتزويج الطفلات الذي هو تجريد لهن من كل آدمية، مما يفرض تجريمه وتصنيفه ضمن جرائم الاتجار بالبشر؛ ومن أخرى، بحرمان الإناث، إذا انفردن ولم يكن معهن أخ ذكر، من جزء مهم من تركة الوالدين (النصف في حالة وجود بنت واحدة، والثلث عند تعددهن) عبر تطبيق قاعدة التعصيب التي تتنافى مع القرآن الكريم وقيم التكريم والعدل والمساواة التي جاء بها الإسلام؛ مما يعرضهن للتشرد والضياع.

إن استغلال مؤسسات الدولة: التشريعية، أو الدينية، أو الجامعية لشرعنة العنف ضد النساء يشكل العامل الرئيسي في فشل الاستراتيجيات الحكومية التي تم وضعها ودعمها دوليا (خصص الاتحاد الأوروبي، سنة 2018، مبلغ 35 مليون أورو لدعم الخطة الحكومية للمساواة “إكرام 2”) بغرض النهوض بحقوق النساء ومحاربة العنف القائم على النوع. ومن الأهداف المسطرة لهذه الخطة المدعومة أوروبيا:

ـ دعم تمكين النساء وتمتعهن بحقوقهن.

ـ مناهضة العنف ضد النساء والنهوض بثقافة المساواة.

ـ إدماج النوع في السياسات العمومية القطاعية والحكامة المحلية.

ـ تقوية التمكين الاقتصادي للنساء والفتيات؛

ـ تقوية مشاركة المرأة في اتخاد القرار مساواة مع الرجل؛

ـ تحسين الحماية القانونية للفتيات والنساء؛

ـ إدماج بعد النوع في البرامج والمخططات القطاعية.

إلا أن التأثير والمقاومة اللذين يحدثهما ويغذيهما التيار المحافظ مسنودا بتيار الإسلام السياسي، نموذج نواب حزب العدالة والتنمية من داخل البرلمان، أو بصفتهم الرسمية في الندوات والبرامج الإعلامية والحملات الانتخابية، لأقوى بكثير من أي إستراتيجية لا تسندها القوانين والإجراءات الزجرية (الحملة ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية، ثم الحملة ضد تعديل مدونة الأسرة والتي لازالت متواصلة: نموذج مناهضة تثمين العمل المنزلي للنساء). كما أن استغلال الكليات والمعاهد الدينية والتقنية من طرف الأستاذة المحسوبين على تيار الإسلام السياسي (إخواني، سلفي: نموذج د. طلال محمد لحلو) لشرعنة العنف ضد النساء من خلال الدعوة إلى تزويج الطفلات وتسويغ انتهاك حرمتهن الجسدية ضدا على مواثيق حقوق الطفل التي صادق ووقع عليها المغرب، والمخاطر الصحية التي تحذر منها التقارير الطبية؛ يشكل تحديا حقيقيا للدولة وتسفيها لجهودها وإخلالا بالتزاماتها الدولية.

لا غرابة، إذن، أن تفشل خطط الحكومات وإستراتيجياتها وبرامجها وحملاتها الوطنية السنوية لوقف العنف ضد النساء (الخطة الحكومية للمساواة "إكرام 1" 2021ـ 2016، ثم "إكرام 2" 2017 ـ 2021، قانون 103.13، الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء 2020 ـ 2030) في محاربة العنف ضد النساء بكل أشكاله.

فبعد كل هذه الإستراتيجيات والبرامج والخطط، وبدل أن ينخفض معدل العنف ضد النساء وتتقلص ظواهره، يأتي تقرير رئاسة النيابة العامة حول “تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة برسم سنة 2024” ليكشف عن المنحى الخطير الذي تتخذه ظاهرة تزويج القاصرات من خلال ارتفاع عدد طلبات الإذن بتزويج القاصرات الذي بلغ ما مجموعه 16.960 طلبا، بزيادة تناهز نسبة 11% عما كان عليه سنة 2023.

أما بخصوص الجنايات والجنح المرتكبة ضد النساء سنة 2023، فقد وصل، حسب الإحصائيات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة، 31552 جريمة وجنحة، من ضمنها 60 جريمة القتل العمد، 780 اغتصاب، 399 هتك العرض بالعنف، الطرد من بين الزوجية 1996).

لا شك أن العنف والتمييز ضد النساء يمسان السلامة الجسدية والنفسية والحقوقية للمرأة، كما يعطلان مشاركتها في التنمية. إذ كشف تقرير المندوبية السامية للتخطيط (2024) أن البطالة في صفوف النساء ارتفعت من 10.4% سنة 2014 إلى 19.4% سنة 2024، بينما ارتفعت بطالة الرجال بوتيرة أبطأ، من 9.7% إلى 11.6% خلال الفترة نفسها.

كما يشير التقرير إلى أن نسبة البطالة في صفوف الجامعيات مرتفعة (30.2%) مقابل 17.9% لدى الرجال، علما أن معدل الشغل للنساء الحاصلات على شهادة عليا يبلغ 30.1% فقط مقابل 70.5% للرجال. إن هذه الأرقام والنسب المئوية تعكس درجة التهميش التي تعاني منها النساء؛ الأمر الذي يحرم المجتمع والاقتصاد الوطني من مشاركة نسبة مهمة من النساء في القوى العاملة المنتجة للثروة.

إذ لم تتجاوز مشاركتهن 21.6% عام 2018 ليحتل المغرب بذلك المركز 180 من ضمن 189 دولة. وهذا يعني أن 78.4% من المغربيات بين 15 و65 عاما خارج دائرة النشاط المساهم في النمو الاقتصادي. ومعلوم أن النموذج التنموي الجديد جعل من أهدافه زيادة معدل النشاط لدى النساء ليصل إلى 45 في المائة سنة 2035، عبر ضمان فرص التمكين الاقتصادي للمرأة كأولوية وطنية في الوسطين الحضري والقروي باعتباره رافعة قوية للنمو.

كما أشارت الدراسة التي نشرتها مديرية الدراسات والتوقعات المالية بوزارة الاقتصاد والمالية، سنة 2022، إلى أن الزيادة في معدل نشاط النساء إلى 45 في المائة سيمكّن من تحقيق معدل نمو مهم للناتج الداخلي الخام للفرد قد يصل إلى 4,6 في المائة.

لا سبيل، إذن، لتحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد وإنجاح إستراتيجية الحكومة وبرامجها من أجل محاربة العنف ضد النساء، إلا بإلغاء كل القوانين والتشريعات (في القانون الجنائي ومدونة الأسرة) التي تشرعن العنف وتكرس التمييز ضد النساء، انسجاما مع الدستور الذي ينص على جعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية، وتفعيلا لدعوة جلالة الملك أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى حتى لا يظل عائقا أمام تجويد القوانين وتمتيع النساء بكل حقوقهن المكفولة بالدستور، إلى "مواصلة التفكير واعتماد الاجتهاد البناء في موضوع الأسرة، عبر إحداث إطار مناسب ضمن هيكلته، لتعميق البحث في الإشكالات الفقهية التي تطرحها التطورات المحيطة بالأسرة المغربية، وما تتطلبه من أجوبة تجديدية تُساير متطلبات العصر".   

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك