أنتلجنسيا:أبو ٱلاء
يواجه الجمهوريون معركة انتخابية صعبة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، بعدما بدأ اسم دونالد ترمب يتحول من ورقة انتخابية رابحة إلى مصدر قلق داخل الحزب، في وقت يضغط فيه الاقتصاد وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع شعبية الرئيس على مرشحي الحزب في مختلف الولايات والدوائر.
ويحاول الجمهوريون تقديم ملفات الأسعار والوظائف والضرائب باعتبارها العناوين التي يمكن أن تمنحهم أفضلية في السباق نحو الكونغرس، غير أن ترمب يدفع المشهد في اتجاه مختلف، بعدما انشغل خلال الفترة الأخيرة بمشروعات رمزية ومعارك سياسية وشخصية يرى مراقبون أنها ترتبط أكثر بإرثه الذي يريد تركه وراءه من ارتباطها بالأولويات الانتخابية العاجلة.
ويعمل الرئيس الأمريكي، وفق ما أوردته تقارير صحفية، على ترك بصمات مادية وسياسية يصعب تجاهلها مستقبلا، من مشاريع داخل البيت الأبيض إلى أفكار رمزية مرتبطة بصورته وتاريخه السياسي، بينما يستعد الجمهوريون لخوض انتخابات قد تحدد موازين القوى داخل الكونغرس.
ويزيد الوضع تعقيدا أن اللجنة السياسية الكبرى المرتبطة بترمب جمعت أكثر من 400 مليون دولار، لكنها لم تبدأ، بحسب المعطيات الواردة، إنفاقا واسعا لصالح مرشحي الحزب في انتخابات التجديد النصفي. كما أثار توجيه جزء كبير من الإنفاق نحو معركة داخلية بين مرشحين جمهوريين في ولاية محسوبة بقوة على الحزب انتقادات واستياء في أوساط جمهورية.
ويحاول البيت الأبيض في المقابل تعبئة المسؤولين الحكوميين خلف أجندة الرئيس، فأرسل عددا من الوزراء إلى ولايات مختلفة للترويج لما تعتبره الإدارة إنجازات ترمب، من التخفيضات الضريبية وتشديد أمن الحدود إلى سياسات الطاقة ومكافحة الجريمة.
وتصطدم هذه الجولات الانتخابية بمشكلة أكثر إحراجا، إذ لا يبدو الناخبون مستعدين دائما لمناقشة الملفات التي يحملها المسؤولون معهم. ففي الوقت الذي يتحدث فيه وزير عن الطاقة، يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بسعر البنزين، وعندما تحاول وزيرة الزراعة استمالة المزارعين، تواجهها اعتراضات مرتبطة باستيراد اللحوم وأسعارها وتأثير ذلك على المنتجين المحليين.
وتكشف هذه الوقائع اتساع الفجوة بين الرسالة التي تريد الإدارة إيصالها والملفات التي يريد الناخبون الحصول على إجابات بشأنها. فالمواطن الأمريكي، بحسب التقارير التي تناولت المشهد، ينظر إلى الاقتصاد من زاوية الأسعار والقدرة على تحمل النفقات، أكثر مما ينظر إليه عبر المؤشرات السياسية التي تعرضها الإدارة باعتبارها إنجازات.
وتضع استطلاعات الرأي الملف الاقتصادي في مقدمة اهتمامات الناخبين، إذ تشير بيانات مركز بيو إلى أن الاقتصاد يأتي على رأس القضايا التي يريد الناخبون سماع مواقف مرشحي الكونغرس بشأنها، بينما تحظى كلفة المعيشة والقدرة على تحمل النفقات بأهمية خاصة.
وتضيف أرقام سوق العمل ضغطا آخر على الإدارة، بعدما أظهرت مراجعات للبيانات أن القطاع الخاص أضاف، بين أبريل 2025 ومارس 2026، وظائف أقل مما أشارت إليه التقديرات الأولية بنحو 178 ألف وظيفة، مع تسجيل فروق كبيرة في قطاعات مثل التصنيع وتجارة التجزئة وتجارة الجملة.
وتشير البيانات المعدلة كذلك إلى انخفاض إجمالي الوظائف بنحو 79 ألف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة بعد احتساب الوظائف الحكومية، وهو ما يعيد فتح النقاش بشأن حقيقة قوة سوق العمل ومدى قدرة الإدارة على الدفاع عن وعودها الاقتصادية قبل الاقتراع.
ويضرب هذا التطور تحديدا إحدى الأوراق التي يريد الجمهوريون استخدامها انتخابيا، وهي وعد ترمب بإعادة تنشيط الصناعة الأمريكية وخلق المزيد من الوظائف. فقد أظهرت المراجعات المشار إليها خسارة إضافية في وظائف التصنيع مقارنة بالتقديرات السابقة، إلى جانب فارق أكبر في وظائف تجارة التجزئة.
ويجد الجمهوريون أنفسهم بذلك أمام معادلة انتخابية شديدة الحساسية: يريدون تحويل الانتخابات إلى مواجهة حول الاقتصاد والهجرة والضرائب وأوضاع الناخبين، بينما يصر ترمب على البقاء في مركز المشهد السياسي، بل دعا أنصاره إلى التعامل مع انتخابات نوفمبر كما لو أن اسمه سيكون حاضرا مباشرة في أوراق الاقتراع.
ويخشى عدد من الجمهوريين أن تتحول هذه الاستراتيجية إلى فخ انتخابي، لأن ربط المرشحين بترمب قد يجعل السباقات المحلية استفتاء على أداء الرئيس بدل أن تكون منافسة حول قضايا كل ولاية ودائرة انتخابية على حدة.
وتزداد المخاطر مع استمرار تداعيات الحرب في إيران وانعكاساتها السياسية والاقتصادية، بالتزامن مع تراجع شعبية الرئيس، الأمر الذي يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة بالنسبة للجمهوريين يتمثل في فقدان السيطرة على مجلس النواب وربما مجلس الشيوخ.
ويحمل هذا السيناريو تداعيات سياسية ثقيلة، إذ قد تعود التحقيقات والمواجهات مع البيت الأبيض بقوة في حال تمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على الكونغرس، بينما قد يتحول ترمب نفسه من عامل تعبئة انتخابية للجمهوريين إلى عنوان رئيسي للهجمات الديمقراطية.
وتكشف تصريحات شخصيات كانت قريبة من الرئيس حجم الانقسام المتزايد داخل المعسكر المحافظ، خصوصا بشأن الحرب على إيران والسياسة الخارجية والاقتصاد. وقد ذهب بعض المنتقدين السابقين لترمب، وبينهم تاكر كارلسون، إلى تحميل الرئيس مسؤولية خيارات يرى أنها ألحقت أضرارا بمكانة الولايات المتحدة واقتصادها.
ويقترب الجمهوريون بذلك من انتخابات نوفمبر وهم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يستطيع الحزب الاستفادة من شعبية قاعدته المحافظة ومن الملفات التي يراهن عليها انتخابيا، أم أن حضور ترمب الطاغي سيبتلع مرشحيه ويحول الانتخابات إلى معركة جديدة حول شخص الرئيس؟
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المعركة لن تكون سهلة، خصوصا إذا استمر الاقتصاد في الضغط على الناخبين، وتواصلت الخلافات داخل قاعدة «ماغا»، وبقي ترمب مصرا على جعل إرثه السياسي في قلب المشهد.
ويبدو أن الجمهوريين أمام سباق مزدوج؛ فعليهم أولا الدفاع عن مواقعهم داخل الكونغرس، وعليهم في الوقت نفسه إدارة علاقة مع رئيس يظل أقوى شخصية داخل الحزب، لكنه قد يصبح أيضا أكبر اختبار انتخابي لمرشحيه في نوفمبر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك