فايننشال تايمز:الأمن الغذائي العالمي ضحية لحرب أوكرانيا

فايننشال تايمز:الأمن الغذائي العالمي ضحية لحرب أوكرانيا
دولية / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

دخلت الحرب الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد، مع تداعيات خطيرة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من أوروبا. ومن بين أكثر المخاطر إلحاحاً احتمال نشوب أزمة عالمية في إمدادات الحبوب، نتيجة موجة جديدة من الهجمات الروسية والأوكرانية المتبادلة على صادرات المنتجات الزراعية لكل منهما.

وقد يكون احتواء هذا الجانب الذي ينذر بكارثة من الصراع أكثر واقعية في هذه المرحلة من محاولة إنهاء الحرب برمتها. لكن ذلك لن يكون ممكناً إلا إذا اختار المجتمع الدولي الانخراط في هذا المسار.

في هذه المرحلة من الصراع، تمكنت أوكرانيا إلى حد كبير من تثبيت خط المواجهة الممتد على 1250 كيلومتراً، ووسعت نطاق ضرباتها بعيدة المدى.

لكن كييف ركزت منذ يوليو على مجموعة جديدة من الأهداف، هي السفن الروسية التي تنقل المنتجات الزراعية عبر البحر الأسود، إلى جانب البنية التحتية الداعمة من سكك حديدية وموانئ في بحر آزوف.

وفي الأسبوع الماضي، استهدفت أوكرانيا محطات الحبوب الثلاث في ميناء نوفوروسيسك، التي تشحن أكثر من 40% من صادرات الحبوب الروسية. وأوقفت السلطات الصادرات مؤقتاً إلى حين الانتهاء من أعمال الإصلاح.

في المقابل، كثفت روسيا أيضاً وابل صواريخها على الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، بل وأغرقت سفناً عدة كانت متجهة إلى ميناء أوديسا، الأكبر في أوكرانيا. نتيجة لذلك، تواجه صادرات البلدين الزراعية خطر التعرض لتقليص كبير، أو حتى التوقف الكامل.

ونظراً للأهمية التي تتمتع بها روسيا وأوكرانيا في أسواق الغذاء العالمية، فإن هذا الأمر يثير قلقاً بالغاً. ولنأخذ القمح مثالاً على ذلك. فموسكو وكييف تسيطران معاً على 27% من صادرات القمح العالمية، وتنقل الكمية الأكبر منها عبر البحر الأسود. كما أن روسيا وأوكرانيا من أبرز الموردين لعدد كبير من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وكان هذا الموسم صعباً للغاية بالفعل على منتجي القمح؛ فقد ارتفعت أسعار الوقود والأسمدة بسبب الحرب في الخليج، بينما أثرت موجات الحر المتكررة في الإنتاج الأوروبي والأمريكي. وتزيد أسعار القمح حالياً بأكثر من 25% على مستوياتها في عام 2025.

ولا تزال آخذة في الارتفاع. وتتوقع الأمم المتحدة أن ينزلق نحو 50 مليون شخص إلى انعدام حاد في الأمن الغذائي في وقت لاحق من العام بسبب العوامل المناخية وحدها. وإذا لم تصل الحبوب الروسية والأوكرانية إلى الأسواق، فقد يعني ذلك أن العالم مقبل على أزمة أكبر في الأمن الغذائي.

وبينما يتعذر معالجة آثار موجات الحر بسرعة، يمكن التعامل مع اضطراب لوجستيات نقل الغذاء في البحر الأسود. ففي بداية الحرب في أوكرانيا، مارس أطراف دوليون عدة ضغوطاً على موسكو لإبرام اتفاق للحبوب مع كييف، سمح بمرور الحبوب الأوكرانية بحرية.

وحتى بعد التخلي عن الاتفاق في نهاية المطاف، لم تبذل روسيا وأوكرانيا جهوداً منهجية لعرقلة الصادرات الزراعية، إلى أن بدأ ذلك هذا الصيف.

وينبغي للمجتمع الدولي الآن أن يضغط على الجانبين لإعادة العمل بهذا التفاهم غير المعلن. ففي نهاية المطاف، المكاسب العسكرية لهذه الهجمات محدودة، بينما الأضرار المحتملة الناجمة عنها هائلة بالنسبة لعدد من الدول حول العالم.

ولا يصل حجم الضرر الذي تلحقه روسيا وأوكرانيا كل منهما بالأخرى من خلال استهداف الصادرات الزراعية إلى درجة تدفع أياً منهما إلى طلب السلام. فقد حققت الكرملين 41 مليار دولار من صادرات المنتجات الزراعية في عام 2025.

وهو ما يقل عن 10% من إجمالي عائدات صادراتها. أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فتمثل الصادرات الزراعية نحو نصف إيراداتها من الصادرات، كما أن قدرتها على تحويل شحنات الحبوب إلى موانئ نهر الدانوب محدودة هذا العام بسبب موجة الحر وانخفاض مستويات المياه.

لكن مع شبه تأكد حصول كييف على شريان مالي آخر من أوروبا، فإن عرقلة الكرملين لشحنات الحبوب لن تحرم أوكرانيا من قدرتها على تمويل دفاعها.

وهناك عدد من الدول التي لديها مصلحة مباشرة في استعادة صادرات الغذاء الروسية والأوكرانية. في مقدمتها دول الشرق الأوسط وأفريقيا، مثل مصر وتركيا والسعودية، التي ستكون الأكثر تضرراً من أزمة الحبوب.

وتمتلك في الوقت نفسه قنوات اتصال واسعة ونفوذاً لدى كل من موسكو وكييف. ثم هناك القوى الآسيوية الكبرى، مثل الصين والهند، اللتين تعدان من كبار مشتري النفط الروسي، بينما تعتمدان على صادرات الغذاء الروسية والأوكرانية.

وأخيراً هناك أوروبا، التي لا تريد أن تشهد تدفقاً متزايداً للمهاجرين نتيجة أزمة غذاء محتملة. وهناك أيضاً الولايات المتحدة، التي لعبت في عام 2022 دوراً محورياً في ترتيب اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود، لكن من يدري ما إذا كان فريق دونالد ترامب ينتبه إلى هذا الأمر.

ولم يفت الأوان بعد لتشكيل مجموعة اتصال دولية ووضع حزمة من الحوافز والضغوط على موسكو وكييف لإعادة فتح ممر آمن أمام مرور المنتجات الزراعية.

ومن غير المرجح أن تنتهي الحرب في أوكرانيا قريباً، لكن استخدام الدبلوماسية لاحتواء أخطر جوانب الصراع مفيد في حد ذاته، وقد يمهد الطريق أمام خفض أوسع للتصعيد في المستقبل.

المصدر:فايننشال تايمز(ألكسندر غابوييف)

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك