أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
قدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ميزانية عسكرية بلغت 1.5 تريليون دولار للسنة المالية المقبلة، بزيادة بنسبة 44% عن الميزانية المعتمدة للعام الجاري.
ورغم أن زيادة قدرها 500 مليار دولار تقريباً تعتبر سابقة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فإن هذه الميزانية العسكرية التي تجاوزت مبلغ تريليون دولار مؤخراً غير صحيحة أيضاً؛ فقد تجاوز الإنفاق العسكري الأميركي تريليون دولار لسنوات عديدة من قبل، وإضافة 500 مليار دولار، أو ربما 200 مليار دولار أخرى لتمويل الحرب على إيران، كما اقترح الرئيس ترامب، سيرفع إجمالي الميزانية العسكرية إلى ما بين 2 و3 تريليونات دولار.
وكان تقرير جديد صادر عن مشروع مراقبة الحكومة "بوغو"، أعده ديفيد فاين وجون بيلامي وغيزيلا سيرناداس، قد أشار إلى أن أرقام الميزانية المتداولة تقلل بشكل كبير من التكلفة الحقيقية للحفاظ على الجيش الأميركي.
وباستخدام 5 منهجيات مختلفة، يقدر التقرير أن إجمالي الإنفاق العسكري في العام الماضي تراوح بين 1.5 تريليون دولار و1.8 تريليون دولار، وقد يصل إلى 2.3 تريليون دولار عند إضافة مدفوعات الفائدة المرتبطة بالديون العسكرية.
ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة تنفق ما يزيد على تريليون دولار على الأنشطة العسكرية منذ سنوات عديدة، خلافاً للاعتقاد السائد بأن هذا الرقم لم يُتجاوز إلا مؤخراً.
ووفقاً للتحليل المذكور، تقدم منهجية "هارتونغ وسميثبرغر" أعلى تقدير أساسي للميزانية العسكرية بمبلغ ترليون و766 ملياراً و272 مليون دولار، تليها ما تقدره منهجية "ويلر" بمبلغ ترليون و727 ملياراً و634 مليون دولار، ثم الرقم الذي أوردته "يو أس إيه سبيندنغ" الحكومية، بمبلغ ترليون و716 و989 مليون دولار، بينما تقدم سيرناداس وفوستر ومشروع الأولويات الوطنية تقديرات أساسية أقل نسبياً بقيمة ترليون و494 ملياراً و236 مليون دولار.
وعند احتساب الفوائد، يزداد المبلغ الإجمالي بشكل كبير، ويتراوح من 1,713,283,160,060 دولاراً وفقاً لمنهجية مشروع الأولويات الوطنية إلى 2,284,383,842,468 دولاراً بحسب منهجية سيرناداس وفوستر.
ويجدر بالذكر أن رقم مشروع الأولويات الوطنية يركز على الإنفاق التقديري، ويستثني أشكال الإنفاق الإلزامي، حتى ولو تم تضمين الأخيرة، لكان هذا التقدير أقرب بكثير إلى التقديرات الأخرى.
سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد، فقد أخفى الكونغرس والرؤساء ووزارة الدفاع الأميركية الحجم الحقيقي للميزانية العسكرية الأميركية لعقود. وقد ساهم الصحافيون ومحللو مراكز الأبحاث والأكاديميون وغيرهم من الخبراء، باستثناءات نادرة، في استمرار هذه المشكلة من خلال الإبلاغ عن جزء فقط من الإنفاق العسكري الحقيقي، بينما يجهل معظمهم التكاليف التي أغفلوها.
وتكمن مشكلة معظم التقارير التقليدية في وجود مئات المليارات من الدولارات من الإنفاق العسكري خارج الميزانية السنوية لوزارة الدفاع التي يخصصها الكونغرس. حتى إن مصدراً موثوقاً عموماً لبيانات الإنفاق العسكري العالمي، مثل "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، يقلل من تقدير الإنفاق الأميركي بتجاهله مبالغ كبيرة خارج ما يسميه ترامب وزارة الحرب والميزانيات ذات الصلة.
ومن الأمثلة الرئيسية على ذلك الإنفاق على الأسلحة النووية، والذي بلغ نحو 33.5 مليار دولار من صافي الإنفاق للسنة المالية 2025. وعلى الرغم من أن القوات النووية تخضع لسيطرة الجيش الأميركي وتُنشر، فإن قسماً كبيراً من ميزانية صيانة وتحديث الترسانة النووية يُخصص من خلال وزارة الطاقة بدلاً من البنتاغون.
كما تشكل نفقات المحاربين القدامى والمتقاعدين العسكريين مستويات كبيرة أخرى من الإنفاق الخفي، وتغطي تكاليف المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وإعانات العجز ومساعدة ذوي المتوفى وغيرها من الالتزامات طويلة الأجل بشكل أساسي من خلال وزارة شؤون المحاربين القدامى وحسابات اتحادية أخرى. وتعتبر هذه النفقات نتيجة مباشرة للحفاظ على القوات المسلحة وخوض الحروب، إلا أنها تستثنى عادة من حسابات الميزانية العسكرية.
إلى جانب استحقاقات المحاربين القدامى والأسلحة النووية، يمكن العثور على الإنفاق المتعلق بالجيش ضمن ميزانيات وزارة الأمن الداخلي ووزارة الخارجية والعديد من الوكالات الأخرى. وتساهم برامج تتراوح بين المساعدات العسكرية للحكومات الأجنبية وبعض وظائف الأمن الداخلي في تعزيز القدرات العسكرية الوطنية، ولكنها غالباً ما تقع خارج نطاق إجمالي ميزانية الدفاع الرسمية.
كما تعتبر مسألة تمويل الديون من المسائل الرئيسية الهامة. فمنذ اندلاع الحروب التي أعقبت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، اعتمدت الولايات المتحدة بشكل كبير على الاقتراض بدلاً من الضرائب لتمويل عملياتها العسكرية. ولهذا السبب، يُطلق البعض على حروب ما بعد 2001 اسم "حروب بطاقات الائتمان".
وبينما يختلف المحللون حول حجم الدين الوطني الذي ينبغي أن يُعزى للأنشطة العسكرية، فتضمين هذه التكاليف يرفع الإنفاق العسكري المتوقع للعام الماضي إلى ما يزيد على تريليوني دولار أميركي، وفقاً لبعض المنهجيات التقديرية.
وعلى الرغم من اختلاف التعريفات ومصادر البيانات المستخدمة من قبل الباحثين، فإن المنهجيات الخمس المذكورة توصلت إلى استنتاج مماثل، وهو أن الميزانية العسكرية الشائعة الاستخدام تقلل بشكل كبير من تقدير ما تنفقه الولايات المتحدة فعلياً على الحروب والقوات المسلحة والأنشطة ذات الصلة. وهذا يشير إلى أن المسألة ليست مسألة تفسير حزبي، بل هي نتاج ممارسات ميزانية راسخة توزع التكاليف العسكرية على العديد من الوكالات الفيدرالية.
كما يعتبر فهم الحجم الحقيقي للإنفاق العسكري أمراً أساسياً للمساءلة الديمقراطية، بينما لا يستطيع المواطنون الأميركيون مناقشة الأولويات الوطنية بفعالية إذا لم تتوفر لديهم معلومات كاملة حول كيفية تخصيص الأموال العامة. فإذا وزعت النفقات الكبيرة المرتبطة بالأنشطة العسكرية على عدة إدارات، فقد يجد الجمهور صعوبة في مقارنة الإنفاق العسكري بالإنفاق على أولويات أخرى، كالتعليم والإسكان والبنية التحتية والرعاية الصحية أو مواجهة تغير المناخ.
وإذا كانت الولايات المتحدة تنفق بالفعل ما بين 1.7 تريليون دولار و2.3 تريليون دولار سنوياً على الأنشطة المتعلقة بالجيش، فينبغي تقييم مقترحات الزيادات الإضافية في ضوء هذا الواقع المالي الأوسع بدلاً من تقييمها في ضوء ميزانية البنتاغون الأضيق وحدها. لكن، لسوء الحظ لا يزال هناك غموض يكتنف حجم الإنفاق العسكري الحقيقي، نظراً إلى سوء ممارسات المحاسبة في البنتاغون، بما في ذلك عجزه عن اجتياز التدقيق المالي.
كذلك، يحتاج عامة الناس وأعضاء الكونغرس إلى بيان كامل للميزانية العسكرية لتحليل ومناقشة حجم الإنفاق العسكري بأسلوب أمثل، حتى لو بمعزل عن أولويات التمويل الأخرى غير العسكرية.
ولتقديم أرقام دقيقة للإنفاق، ينبغي للكونغرس إصلاح ممارساته في إعداد الميزانية، وتقديم ميزانية عسكرية إجمالية حقيقية تجمع جميع أشكال الإنفاق العسكري والحربي في مكان ورقم إجمالي واحد. كما ينبغي للكونغرس التوقف عن تخصيص الأموال المخفية للجيش في ميزانيات الوكالات الأخرى.
وإلى أن يبدأ الكونغرس في نشر أرقام دقيقة، ينبغي لوسائل الإعلام والمحللين الآخرين التوقف عن تكرار بيانات الإنفاق غير المكتملة الصادرة عن الكونغرس، وإطلاع الجمهور على المبلغ الحقيقي الذي تنفقه الدولة على الجيش والحروب.
المصدر:المياديننت
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك